نهاية الإيجاز في سيرة ساكن الحجاز - رفاعة رافع الطهطاوي - الصفحة ٢٢٥ - الفصل الثانى في ظواهر السنة الثانية من الهجرة، و ما فيها من الغزوات
ثم تزاحم الناس و دنا بعضهم من بعض، و قد كان عدّل رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) صفوف أصحابه بقدح في يده (أى سهم)، فمرّ بسواد بن غزية (حليف بنى النجار) و هو خارج من الصف فطعنه [١] (صلّى اللّه عليه و سلّم) بالقدح في بطنه، و قال: استو يا سواد، فقال: يا رسول الله أوجعتنى و قد بعثك الله بالحق و العدل، فأقدنى من نفسك (أى مكّنّى من القصاص من نفسك) فكشف رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) عن نفسه، و قال: استقد: أي اقتصّ، فاعتنقه و قبّل بطنه، فقال: ما حملك على هذا يا سواد؟
فقال: يا رسول الله حضر ما ترى فأردت أن يكون اخر العهد بك أن يمسّ جلدى جلدك» [٢]، فدعا له (صلّى اللّه عليه و سلّم) بخير.
ثم لما عدّل الصفوف، قال لهم: «إن دنا القوم منكم فادفعوهم عنكم بالنبل، و استبقوا نبلكم: لا ترموهم على بعد، (لأن النبل مع البعد يخطئ) و لا تسلّوا السيوف حتّى يغشوكم» ثم رجع (صلّى اللّه عليه و سلّم) إلى العريش يناشد ربّه ما وعده به من النصر، و يقول: «اللهم إن تهلك هذه العصابة اليوم لا تعبد في الأرض» و أبو بكر يقول: «دع بعض مناشدتك ربك؛ إن الله منجز لك ما وعدك» فكان المصطفى فى مقام الخوف، و هو هنا أ علي، و الصدّيق في مقام الرجاء، و هو هنا دونه.
و لما اصطفّ الناس للقتال رمى قطبة بن عامر حجرا بين الصفين، و قال: لا أفرّ إن فرّ هذا الحجر.
و عن أنس رضى الله عنه قال: قال رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) يوم بدر: «قوموا إلى جنة عرضها السموات و الأرض»، فقال عمير بن الحمام [٣]- بضم الحاء المهملة و تخفيف الميم- ابن الجموح الأنصاري: بخ بخ (كلمة تقال لتعظيم الأمر
[١] وكزه وكزة خفيفة.
[٢] من الإصابة لابن حجر: «سواد بن غزيّة الأنصاري: من بنى عدى ابن النجار. هو الّذي أسر خالد بن هشام المخزوميّ.
روى عبد الرزاق أن النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) كان يتخطى بعرجون، فأصاب به سواد بن غزية الأنصاري، فقال: أقدني ...» و ساق القصة و رواه البغوى أيضا.
[٣] هو عمير بن الحمام بن الجموح بن زيد بن حرام بن كعب بن سلمة الأنصاري. كان أوّل قتيل فى سبيل الله في الحرب، و اتفقوا على أنه استشهد يوم بدر لا يوم أحد، كما زعم بعضهم أ. ه.
باختصار من الإصابة.