نهاية الإيجاز في سيرة ساكن الحجاز - رفاعة رافع الطهطاوي - الصفحة ٢٢٦ - الفصل الثانى في ظواهر السنة الثانية من الهجرة، و ما فيها من الغزوات
و التعجب منه مع التنوين و عدمه) فقال رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم): ما يحملك على قولك بخ بخ؟ قال: لا، و الله يا رسول الله إلا رجاء أن أكون من أهلها؟ قال: فإنك من أهلها. قال: فأخرج تمرات من جعبته فجعل يأكل منهن، ثم قال: «لئن أنا حييت حتى اكل تمراتى هذه إنها لحياة طويلة»، فرمى بما كان معه من التمر، ثم قاتل حتى قتل.
و كان رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) اخى بينه و بين عبيدة بن الحرث المطلبي، فقتلا يوم بذر جميعا.
و قال ابن إسحاق: قال رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) يوم بدر: لا يقاتل أحد في هذا اليوم فيقتل صابرا محتسبا، مقبلا غير مدبر: إلا دخل الجنة؟ و كان عمير واقفا في الصف بيده تمرات يأكلهن، فسمع ذلك فقال: «بخ بخ، ما بينى و بين أن أدخل الجنة إلا أن يقتلنى هؤلاء» و ألقى التمرات من يده و أخذ السيف و قاتل القوم و هو يقول:
ركضا إلى الله بغير زاد * * * إلا التّقى و عمل المعاد
و الصبر في الله على الجهاد * * * إنّ التّقى من أعظم السّداد
و خير ما قاد إلى الرشاد * * * و كلّ حيّ فإلى نفاد
و بعد تعديل الصفوف كان أوّل من خرج من المسلمين «مهجع»- بكسر الميم و إسكان الهاء فجيم مفتوحة فعين مهملة- مولى عمر بن الخطاب، فقتله عامر بن الحضرمى بسهم أرسله إليه، فقيل: إنه أوّل من يدعى من شهداء هذه الأمة، و إنه (صلّى اللّه عليه و سلّم) قال يومئذ: «مهجع سيد الشهداء [١]».
و قاتل في ذلك اليوم المؤمنون، ثم أخذ رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) حفنة من الحصباء ناولها له عليّ رضى الله عنه، فاستقبل بها قريشا، ثم قال: «شاهت وجوه القوم» أى قبحت و ذلّت- ثم نفخهم بها فلم يبق من المشركين رجل إلا ملئت عينه
[١] مهجع العكى- مولى عمر بن الخطاب- أصله من عكّ، فأصابه سباء، فمنّ عليه عمر فأعتقه.
كان من السابقين إلى الإسلام. شهد بدرا و استشهد بها. و كان ممن نزل فيهم قوله تعالى: وَ لا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَ الْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ.