نهاية الإيجاز في سيرة ساكن الحجاز - رفاعة رافع الطهطاوي - الصفحة ١٣١ - * و أما الهجرة الثانية
الجاهلية، فدخلوا معه في شعبه، و خرج من بنى هاشم أبو لهب بن عبد العزى ابن عبد المطلب إلى قريش مظاهرا إليهم، و كانت امرأته أم جميل بنت حرب (أخت أبى سفيان) على رأيه في عداوة رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) (كانت تحمل الشوك فتضعه في طريقه (صلّى اللّه عليه و سلّم)، فسمّاها اللّه تعالى حمالة الحطب). و أقام بنو هاشم في الشعب و معهم رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) نحو ثلاث سنين، و كان بنو هاشم محصورين في الشعب لا يخرجون إلا من موسم إلى موسم، حتى جاهدوا، و كان لا يصل إليهم ممن أراد صلتهم إلا سرا، هذا، و رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) مقبل على شأنه من الدعاء إلى اللّه، و الوحي عليه يتتابع.
ثم إن النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) أخبر عمه أبا طالب بأن اللّه سلط الأرضة على الصحيفة فلم تدع فيها غير اسم اللّه تعالى الّذي كانت قريش تستفتح به كتابها، و هو لفظ:
«باسمك اللهم»، و نفت منها الظلم و قطع الرحم. فانطلق أبو طالب في عصابة حتى أتوا المسجد، فلما رأتهم قريش ظنوا أنهم خرجوا من شدة البلاء ليسلّموا رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم)، فقال أبو طالب: إنما أتيت في أمر هو نصف [١] فيما بيننا و بينكم:
إنّ ابن أخي أخبرنى بأمر [٢] فإن كان الحديث كما يقول فلا و الله لا نسلمه حتّى نموت عن آخرنا، و إن كان الّذي يقول باطلا دفعنا لكم صاحبنا فقتلتم أو استحييتم. و أخبرهم الخبر، فقالوا: قد رضينا الّذي تقول، ففتحوا الصحيفة فوجدوها كما قال، فقالوا: هذا سحر ابن أخيك، و زادهم ذلك بغيا. ثم مشى في نقض الصحيفة قوم من قريش، و أخرجوا بنى هاشم و بنى المطلب من الشعب، و ذلك في السنة العاشرة من مبعثه (صلّى اللّه عليه و سلّم).
ثم قدم الطفيل بن عمرو الدوسي [٣] و كان شريفا في قومه، فأسلم، ثم استأذن
[١] النصف: أي: إعطاء الحق.
[٢] أى أكل الأرضة للصحيفة.
[٣] هو الطفيل بن عمرو بن العاص بن ثعلبة بن سليم بن فهم بن غنم بن دوس.
استشهد رضى اللّه عنه في وقعة اليمامة. بعثه رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) إلى ذى الكفين- صنم عمرو بن حممة- فأحرقه بالنار. قدم مع أبى هريرة إلي النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم). أسلم بمكة، ثم عاد إلى بلاد قومه، ثم وافى النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) في عمرة القضاء و شهد فتح مكة. و لما وفد على النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) قال له:
اجعل لى آية، فقال النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم): اللهمّ نوّر له» فسطع نور بين عينيه، فقال: يا رب أخاف أن يقولوا مثلة، فتحوّل النور إلى طرف سوطه. فكان يضيء له في الليلة المظلمة، فلذلك سمى ذا النور.
أسلم أبوه على يديه، و أسلم على يديه أبو هريرة الصحابى الجليل، و جندب بن عمرو بن حممة و معه خمسة و سبعون رجلا. ا ه. (مختصرا من الإصابة لابن حجر).