نهاية الإيجاز في سيرة ساكن الحجاز - رفاعة رافع الطهطاوي - الصفحة ١٣٣ - * و أما الهجرة الثانية
فمن مبلغ الحسناء أنّ حليلها * * * بميسان يسقى في زجاج و حنتم
إذا شئت غنّتنى دهاقين قرية * * * و صنّاجة تحذو على كل ميسم
إذا كنت ندمانى فبالأكبر اسقنى * * * و لا تسقنى بالأصغر المتثلم
لعلّ أمير المؤمنين يسوؤه * * * تنادمنا بالجوسق المتهدم
[و الحنتم واحدة الحناتم: و هو في الأصل جرار مدهونة خضر، كانت تحمل فيها الخمر إلى المدينة، ثم اتّسع فيها، فقيل للخزف كله حنتم، و الصنّاجة: آلة لهو، و هى الطبل المعروف المذكور، فى قول الحريري:* أحسنت بالعيش يا صنّاجة الجيش*].
فبلغ ذلك [١] عمر رضى اللّه عنه فكتب إليه يقول: بسم اللّه الرحمن الرحيم حم (١) تَنْزِيلُ الْكِتابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (٢) غافِرِ الذَّنْبِ وَ قابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقابِ [غافر: ١]. أما بعد .. فقد بلغنى قولك: «لعل أمير المؤمنين يسوؤه ..»
إلى آخره. و أيم اللّه لقد ساءني». ثم عزله.
فلما قدم عليه سأله، فقال: ما كان من هذا شيء، و ما كان إلا فضل شعر وجدته، و ما شربتها قط. فقال عمر: أظن ذلك، و لكن لا تعمل لي عملا أبدا.
فنزل البصرة و لم يزل يغزو مع المسلمين حتّى مات، و شعره فصيح تستشهد به أهل اللغة على «ندمان» بمعنى «نديم». و هذه الحادثة مصداق قوله تعالى:
وَ الشُّعَراءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغاوُونَ ... [الشعراء: ٢٢٤]. قال الشاعر:
«يقولون ما لا يفعلون» مذمّة * * * من الله مذموم بها الشعراء
و ما ذاك فيهم واحده بل زيادة * * * يقولون ما لا يفعل الأمراء
[١] أى الشعر الّذي قاله نعمان بن عديّ بن نضلة.
[١] فى مراصد الاطلاع: «كانت تسمى قديما «وجّ» و سميت بالطائف: لمّا أطيف عليها الحائط» ثم قال: «و هى على ظهر جبل غزوان، و بها عقبة مسيرة يوم للطالع من مكة، و نصف يوم للهابط إلى مكة».