نهاية الإيجاز في سيرة ساكن الحجاز - رفاعة رافع الطهطاوي - الصفحة ١١٢ - الفصل الثانى فى الهجرتين إلى الحبشة
و إنما تجب المهاجرة من أرض البدعة ما لم يتمكن المقيم بها من وظيفة حسنة كالإرشاد و الهداية، فالمقام بهذا القصد أولي؛ لأن الخروج سلامة، و المقام كرامة، و لهذا لم يهاجر إلى الحبشة إلا البعض ممن حسنت هجرته، لا سيما المستضعفين [١].
* و في أثناء مكث المهاجرين بالحبشة في الهجرة الأولى أسلم عمر بن الخطاب رضى اللّه عنه سنة خمس من النبوة بعد إسلام حمزة رضى اللّه عنه بثلاثة أيام. قال ابن عباس: لما أسلم عمر بن الخطاب قال جبريل للنبى (صلّى اللّه عليه و سلّم): يا محمد لقد استبشر أهل السماء بإسلام عمر، فإن المشركين قالوا: قد انتصف القوم اليوم منا، و أنزل اللّه تعالى على المصطفى (صلّى اللّه عليه و سلّم): يا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَ مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ [الأنفال: ٦٤] و كان أمر المسلمين قبله على غاية من الخفاء، و بعده على غاية من الظهور.
و سبب إسلامه أنه وجد مع أخته بعض آيات من القرآن من سورة الأنبياء، و كانت خبّأتها عنه، فسلبها من يدها غصبا، فقرأها، فحلت في قلبه محل الإعجاب، و أفحمه لفظها و معناها، فذهب إلى النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) و أسلم على يديه، و كان ذلك إجابة لدعوة النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) بقوله: «اللهم أعز الإسلام بأحب الرجلين إليك:
عمر بن الخطاب أو بعمرو بن هشام» (اسم أبى جهل) فكان أحبهما إليه عمر بن الخطاب، فكان عز الإسلام بعمر بن الخطاب.
و ذكر الدار قطنى أن عائشة قالت: إنما قال النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم): «اللهم أعزّ عمر بالإسلام» لأن الإسلام يعزّ و لا يعز، و كان دعاؤه (صلّى اللّه عليه و سلّم) بذلك يوم الأربعاء، فأسلم عمر يوم الخميس، و كان عمر لا يرام ما وراء ظهره، فامتنع به و بحمزة الصحابة.
و في البخاري: «لما أسلم عمر اجتمع الناس عند داره و قالوا: صبأ عمر، فبينما هو في داره خائفا إذ جاءه العاص بن وائل، و قال له: ما لك؟ قال: زعم قومى أنّهم يقتلوننى إن أسلمت، قال: أمنت؛ لا سبيل إليك. فخرج العاص فلقى الناس
[١] هم الذين كانوا يعذّبون في مكة.