نهاية الإيجاز في سيرة ساكن الحجاز - رفاعة رافع الطهطاوي - الصفحة ٣١٩ - الفصل السادس في ظواهر السنة السادسة و ما فيها من الغزوات
سهيل، و من معهم فيقدمون عليه، و قالوا: إنّا أسقطنا هذا الواحد من الشروط، فمن أتى محمدا فهو آمن.
و قيل: قالوا من خرج منا إليك فأمسك في غير حرج؛ فإنّ هؤلاء الركب قد فتحوا علينا بابا لا يصلح إقراره. فلما كان ذلك من أمرهم، علم الذين كانوا أشاروا علي رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) أن يمنع أبا جندل من أبيه يوم الصلح و القضية أنّ طاعة رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) خير فيما أحبوا و فيما كرهوا، و أن رأيه أفضل من رأيهم، [١] و علموا بعد ذلك أن مصالحته (صلّى اللّه عليه و سلّم) كانت أولي، لأنها كانت سببا لكثرة المسلمين؛ فإن المشركين لما أمنوا القتال اختلطوا بالمسلمين فأثّر فيهم الإسلام، فأسلم كثير منهم.
و كتب رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) يأمر أبا بصير أن يقدم عليه بالمدينة هو و أبو جندل الّذي كان اجتمع به مع رفاقه، و يأمر من معهما من المسلمين أن يرجعوا إلى بلادهم و أهليهم، و لا يتعرضوا لأحد مرّ بهم من قريش، فلما قدم كتاب رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) على أبى بصير، و كان حينئذ مشرفا علي الموت، مات و كتاب رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) في يده يقرأه، فدفنه أبو جندل مكانه، و جعل عند قبره مسجدا. و قدم على رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) أناس من أصحاب أبى جندل، و رجع سائرهم إلي أهليهم، و أمنت عيران قريش، و ظاهر بعض الروايات يدلّ على أن قوله تعالى: وَ هُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَ أَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ- نزلت في قصة أبى بصير.
و لم يزل أبو جندل مع رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم)، و شهد ما أدرك من المشاهد بعد ذاك، و شهد الفتح، و رجع مع رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم)، و قدم أبوه سهيل بن عمرو المدينة أوّل إمارة عمر بن الخطاب رضى الله عنهما، فمكث بها شهرا، ثم خرج إلي الشام يجاهد، و خرج معه ولده أبو جندل، فلم يزالا مجاهدين حتّى ماتا هناك رضى الله تعالى عنهما.
و هاجرت في مدة الصلح أمّ كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط، و جاء فيها
[١] ذلك لأنه: «لا ينطق عن الهوى، إن هو إلا وحى يوحى» و ليس الرأى مع الوحى بشيء.