نهاية الإيجاز في سيرة ساكن الحجاز - رفاعة رافع الطهطاوي - الصفحة ٣٠٥ - الفصل السادس في ظواهر السنة السادسة و ما فيها من الغزوات
دلس [١] عليك فيها؟ سبحانك هذا بهتان عظيم! فنزلت الآية كذلك. و أما أهل الإفك و هم: مسطح بن عباد بن عبد المطلب و حسان بن ثابت و عبد الله بن أبيّ ابن سلول: فجلدهم (صلّى اللّه عليه و سلّم) ثمانين إلا عبد الله بن أبيّ بن سلول رأس المنافقين فلم يجلده.
و قد ذكر أبو عمر بن عبد البر الحافظ أن قوما أنكروا أن يكون حسّان خاض فى الإفك أو جلد فيه، روى عن عائشة أنها برّأته من ذلك. و كان عبد الله بن أبيّ بن سلول هو المقصود بمن تولى كبره فله عذاب عظيم في الآخرة، و هو أشد أهل الإفك إيذاء للنبى (صلّى اللّه عليه و سلّم)، بدليل أن النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) لما صعد المنبر قال: «يا معشر المسلمين من يعذرنى من رجل قد بلغنى أذاه في أهلى (يعنى عبد الله بن أبى بن سلول) فو الله ما علمت علي أهلي إلا خيرا، و لقد ذكروا رجلا (أي صفوان بن المعطّل صاحب الناقة) ما علمت عليه إلا خيرا، و ما كان يدخل على أهلى إلا معي». فقام أسيد بن حضير (و هو ابن عم سعد بن معاذ) فقال: أعذرك يا رسول الله منه؛ إن كان من الأوس ضربت عنقه، و إن كان من إخواننا من الخزرج فما أمرتنا فعلناه. فقام سعد بن عبادة (و هو سيد الخزرج، و كان رجلا صالحا، و لكن أخذته الحمية) فقال لأسيد بن حضير: كذبت، و الله لا تقدر علي قتله. فقام أسيد بن حضير، و قال: كذبت، لعمر الله لنقتلنه، و إنك لمنافق تجادل عن المنافقين. فثار الحيّان؛ الأوس و الخزرج، حتى هموا أن يقتتلوا و رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) علي المنبر، فلم يزل يخفضهم حتّى سكتوا، فالمراجعة لرسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) وقعت بين أسيد بن حضير و سعد بن عبادة سيد الخزرج، كما ذكره ابن إسحاق عن الزهرى عن عبيد الله بن عبد الله و غيره.
و أما ما قيل من أن المراجعة في ذلك كانت بين سعد بن عبادة و سعد بن معاذ فهو وهم نبّه عليه ابن خالدون في السيرة، و استدل علي ذلك بأن سعد بن معاذ مات بعد فتح بني قريظة بلا شك في أثناء السنة الرابعة، و غزوة بني المصطلق في شعبان من السنة السادسة بعد عشرين شهرا من موت سعد بن معاذ، و الملاحاة بين الرجلين (أى المنازعة و المخاصمة) كانت بعد غزوة بنى المصطلق بأزيد من خمسين ليلة ا ه.
[١] يقال: دلّس البائع إذا كتم عيب السلعة عن المشترى (أى غشه).