نهاية الإيجاز في سيرة ساكن الحجاز - رفاعة رافع الطهطاوي - الصفحة ٢٤٦ - إسلام عمير بن وهب
بنى النضير- و هو أبو صفية أم المؤمنين رضى الله تعالى عنها- ليخبره من أخبار رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) بما أحبّ معرفته، فضرب عليه بابه، فأبى أن يفتح له؛ لأنه خافه، و جاء إلى سلّام بن مشكم سيد بنى النضير، و صاحب كنزهم (أى المال الّذي كانوا يجمعونه و يدخرونه للنوائب و ما يعرض لهم، و كان حليّا يعيرونه لأهل مكة) [١] فاستأذن عليه، فأذن له و اجتمع به و سقاه خمرا، فلما كان السحر خرج أبو سفيان و من معه فلقي رجلا من الأنصار في حرث له، فقتله و قتل أجيرا كان معه، و حرق حرثهما، و رأى أنّ يمينه قد حلّت فمضى هاربا، و قد خاف الطلب. و بلغ رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) خبره، فخرج رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) في مائتين من المهاجرين و الأنصار في طلبهم، و كان خروجه لخمس من ذى الحجة من السنة الثانية من الهجرة، و جعل أبو سفيان و أصحابه يخففون للهرب، فيلقون جرب السويق من قمح أو شعير مطحون، و هو عامة أزوادهم، فيأخذه المسلمون، و لم يلحقوا بهم. و انصرف رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) راجعا إلى المدينة، و كانت غيبته خمسة أيام، و لإلقاء السويق من رحالهم لتخفيفها و أخذ المسلمين لذلك، سميت غزوة السويق، و لم يلق فيها كيدا.
* و في هذه السنة مات عثمان بن مظعون رضى الله تعالى عنه.
* و فيها أيضا هلك أمية بن أبى الصلت- من رؤساء الكفار- قرأ الكتب [٢]، و اطّلع على البعثة، فكفر حسدا؛ لأنه رجا أن يكون هو المبعوث، و نزل في حقه قوله تعالى: وَ اتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْناهُ آياتِنا فَانْسَلَخَ مِنْها [الأعراف: ١٧٥]، و كان سافر إلى الشام و رجع عقيب وقعة بدر السابقة، فمرّ بالقليب و فيه قتلى
[١] كانوا يعطون الناس و يأخذون منهم إلى أن يتمكنوا مما يريدون. و من أحداث اليهود أن جماعة منهم استعاروا ذهب المصريين- وقت خروجهم مع سيدنا موسى (عليه الصلاة و السلام)- بحجة أو بأخرى- و ذهبوا بها و لم يردّوها لأصحابها- استحلوا هذا النهب بحجة أنهم شعب الله المختار، و هى دعوى عريضة لم يقم على صحتها دليل، بل قام الدليل على كذبها ألف مرة و مرة. و قد حكى القرآن عنهم أنهم قالوا «نحن أبناء الله و أحباؤه» فردّ عليهم هذه الفرية بقوله تعالى: قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ [المائدة: ١٨]، و صوّروا العجل الّذي عبدوه من دون الله من هذه الأموال التى سرقوها من مصر.
[٢] أى التوراة و الإنجيل و الزبور.