نهاية الإيجاز في سيرة ساكن الحجاز - رفاعة رافع الطهطاوي - الصفحة ١٨٦ - الفصل الثانى فى سيره مهاجرا إلى المدينة مع صاحبه صدّيقه رضى الله تعالى عنه و هو ابتداء التاريخ الإسلامى
و لما سمع حسان بن ثابت قال في جوابه هذه الأبيات:
لقد خاب قوم زال عنهم نبيهم * * * و قدّس من يسرى إليهم و يغتدى
ترحّل عن قوم فزالت عقولهم * * * و حلّ على قوم بنور مدّد
هداهم به بعد الضلالة ربّهم * * * و أرشدهم: من يتبع الحقّ يرشد
و هل يستوى ضلال قوم تسفّهوا * * * همّى و هداة يهتدون بمهتد
لقد نزلت منه على أهل يثرب * * * ركاب هدى حلّت عليهم باعد
نبىّ يرى ما لا يرى الناس حوله * * * و يتلو كتاب الله في كل مشهد
و إن قال في يوم مقالة غائب * * * فتصديقها في اليوم أو في ضحى الغد
ثم تعرّض للنبى (صلّى اللّه عليه و سلّم) و أبي بكر رضى الله عنه سراقة بن مالك المدلجي، و علم أنهما اللذان جعلت فيهما قريش ما جعلت لمن أتى بهما، فركب فرسه و تبعهما بزعمه، فبكى أبو بكر و قال: «يا رسول الله أتينا [١]، قال: كلا» فلما دنا سراقة صاح و قال: يا محمد من يمنعك مني اليوم؟ فقال رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم): يمنعنى العزيز الجبار، الواحد القهار. و دعا رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) بدعوات، و قال: «اللهم اكفنا أمر سراقة بما شئت و كيف شئت» فساخت (*) قوائم فرسه، فطلب الأمان، و قال:
أعلم أن قد دعوتما عليّ فادعوا لي، و لكما أن أردّ الناس عنكما و لا أضرّكما. قال سراقة: فوقفا لي، ثم ركبت فرسى حتّى جئتهما، قال: فوقع في نفسى حين لقيت ما لقيت أن سيظهر أمر رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم)، فأخبرتهما بما يريد الناس منهما، و عرضت عليهما الزاد و المتاع فلم يقبلا. و أنشد بعضهم لأبى بكر رضى الله عنه قصيدة مطلعها:
قال النبىّ و لم يجزع بوقر بى * * * و نحن في سدف من ظلمة الغار
«لا تخش شيئا فإن الله ثالثنا * * * ................ .................
إلي اخر القصيدة المذكورة في بعض السير.
[١] فى الأصل «أوتينا» و هو خطأ، و الصواب ما أثبتناه.
* أى غاصت في الأرض.