نهاية الإيجاز في سيرة ساكن الحجاز - رفاعة رافع الطهطاوي - الصفحة ١٨٧ - الفصل الثانى فى سيره مهاجرا إلى المدينة مع صاحبه صدّيقه رضى الله تعالى عنه و هو ابتداء التاريخ الإسلامى
قال: و مع أن مثل هذه القصيدة الساقطة لا يسمح الذوق السليم بنسبتها إلي أبى بكر رضى الله تعالى عنه- علي فرض كونه يقول الشعر- فقد ذكر ابن عبد البر في ترجمة الصدّيق رضى الله عنه ما لفظه:
روى سفيان بن حسين عن الزهرى قال: سألنى عبد الملك بن مروان، قال:
رأيت هذه الأبيات التي تروى عن أبى بكر رضى الله عنه؟ فقلت له: حدثنى عروة عن عائشة رضى الله عنها أن أبا بكر لم يقل شعرا في الإسلام حتّى مات. انتهي.
فحينئذ يحتمل أن تكون هذه الأبيات نظمت علي لسانه، و أنه أنشدها، كما قيل فيما نسب إليه من قوله بعض أبيات، منها قوله:
كلّ امرئ مصبّح في أهله * * * و الموت أدنى من شراك نعله
و عن عائشة رضى الله عنها قالت: «إن أبا بكر لم يقل شعرا في الإسلام، أى و لا في الجاهلية» كما في رواية عنها، أي لم ينشئ الشعر حتّى مات. و أما ما روى عن أنس بن مالك رضى الله تعالى عنه أنه قال: كان أبو بكر الصدّيق رضى الله عنه إذا رأى النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) يقول:
أمين مصطفى بالخير يدعو * * * كضوء البدر زايله الظلام [١]
فمحمول علي أنها لم تسمع ذلك منه، علي فرض أنه من إنشائه، و كذلك ما ذكره صاحب «الينبوع» [٢] في قوله: ليس عمل الشعر رذيلة؛ فقد كان الصدّيق و عمر و على (رضوان الله عليهم) يقولون الشعر، و عليّ كرم الله وجهه أشعر من أبى بكر و عمر، و لو أنه بظاهره مناف لقول عائشة، إلا أنه يحمل على الإنشاد كثرة و قلة، فإن عليا رضى الله عنه دوّن باسمه ديوان، و لا مانع أن يكون كله مما تمثل به إن لم يثبت عنه إنشاد الشعر».
و لما بلغ أبا جهل أمر سراقة أنشد يقول:
[١] المزايلة: المفارقة، و منه قوله تعالى: فَزَيَّلْنا بَيْنَهُمْ وَ قالَ شُرَكاؤُهُمْ ما كُنْتُمْ إِيَّانا تَعْبُدُونَ [يونس:
٢٨] ..
[٢] ربما كان كتاب ينابيع المودة لسلمان بن خوجة كيلان البلخي.