نهاية الإيجاز في سيرة ساكن الحجاز - رفاعة رافع الطهطاوي - الصفحة ١٩٨ - هجرة بقايا المسلمين من مكة
فقدما بفاطمة، و أم كلثوم، و سودة بنت زمعة، و أسامة بن زيد [١]، و أم بركة المكناة «أم أيمن»، و خرج عبد الله بن أبى بكر رضى الله تعالى عنه معهم بعيال أبيه، و أمّا علي بن أبى طالب رضى الله عنه فكان أقام بعد خروج النبي (عليه الصلاة و السلام) بثلاثة أيام، ثم أدركه بقباء، قال علي بن أبى طالب رضى الله عنه، كما أخرجه عنه ابن عساكر: «ما علمت أحدا هاجر إلا مختفيا، إلا عمر بن الخطاب، فإنه لما همّ بالهجرة تقلد سيفه و تنكّب قوسه، و انتضى في يده سهما، و أتى الكعبة و أشراف قريش بفنائها، فطاب سبعا، ثم صلّى ركعتين عند المقام، ثم أتى خلفهم، و قال: شاهت الوجوه، من أراد أن تثكله أمه، و يؤتم ولده، و ترمّل زوجته، فليلقنى وراء هذا الوادي، فما تبعه منهم أحد؛ لأنهم كانوا يردّون من أراد الهجرة و يسجنونه. و كان صحيح الإيمان يجتهد في اللحاق بالنبى (صلّى اللّه عليه و سلّم)، كما وقع ليحيى بن ضمرة الجندعي لما بلغه خروج النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) قال: لا عذر لى في مقامى بمكة، و كان مريضا، فأمر أهله فخرجوا به إلى التنعيم، فمات، فأنزل الله تعالى وَ مَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهاجِراً إِلَى اللَّهِ وَ رَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ [النساء: ١٠٠] و أوّل كلمة سمعت منه (صلّى اللّه عليه و سلّم) لما قدم المدينة: «أفشوا السلام، و أطعموا الطعام، و صلّوا بالليل و الناس نيام تدخلوا الجنة بسلام» [٢].
و كان (صلّى اللّه عليه و سلّم) يخطب يوم الجمعة إلى جذع نخلة، و في لفظ «يسند ظهره إليه إذا تكلم يوم الجمعة أو حدث أمر يريد أن يكلّم الناس فيه» فقال له الناس: يا رسول الله، قد كثر الناس (يعنى المسلمين) و إنهم يحبون أن يروك فلو اتخذت منبرا لقدر قيامك تقوم عليه فيراك الناس، قال: نعم، قال: من يجعل لنا هذا المنبر؟
فقام إليه رجل، فقال: أنا، قال: تجعله؟ قال: نعم (و لم يقل إن شاء الله)، قال: ما اسمك؟ قال: فلان، قال: اقعد، فقعد، ثم عاد فقال: من يجعل لنا هذا المنبر؟ فقام إليه رجل فقال: أنا، قال: تجعله؟ قال: نعم (و لم يقل إن شاء الله)، قال: ما
[١] فى الأصل «و أسامة بنت زيد»، و الّذي في السيرة الحلبية: «و أم أيمن حاضنته (صلّى اللّه عليه و سلّم) زوج زيد بن حارثة و ابنها أسامة بن زيد». (انظر ص ٨٥ ج ٢)
[٢] و ورد بالإفراد: «أفش السلام، و أطعم الطعام، و صل الأرحام، و صلّ بالليل و الناس نيام، و ادخل الجنة بسلام» رواه أحمد، و الحاكم، و ابن حبان، و للحديث ألفاظ أخرى و رواة آخرون.