المواهب اللدنية بالمنح المحمدية - أحمد بن محمد القسطلاني - الصفحة ٥١٣ - النوع الأول فى آيات تتضمن تعظيم قدره و رفعة ذكره و جليل رتبته و علو درجته على الأنبياء و تشريف منزلته
لعبد أن يقول: أنا خير من يونس بن متى) [١]. و حديث أبى هريرة عند الشيخين، (من قال: أنا خير من يونس بن متى فقد كذب) [٢].
أجاب العلماء: بأن قوله عز و جل: لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ [٣] يعنى: فى الإيمان بما أنزل إليهم و التصديق بهم، و الإيمان بأنهم رسل اللّه و أنبياؤه، و التسوية بينهم فى هذا لا تمنع أن يكون بعضهم أفضل من بعض.
و أجابوا عن الأحاديث بأجوبة:
فقال بعضهم: أن نعتقد أن اللّه تعالى فضل بعضهم على بعض فى الجملة. و نكف عن الخوض فى تفصيل التفضيل بآرائنا، قال ابن طغربك:
فإن أراد هذا القائل أن نكف عن الخوض فى تفصيل التفضيل بآرائنا فصحيح، و إن أراد أنا لا نذكر فى ذلك ما فهمناه من كتاب اللّه و روى لنا من حديث رسول اللّه- صلى اللّه عليه و سلم- فسقيم.
و قال آخر: تفضل من رفع درجته بخصائص الحظوة و الزلفى، و لا نخوض فى تفضيل بعضهم على بعض فى سياسة المنذرين و الصبر على الدين، و النهضة فى أداء الرسالة، و الحرص على هدى الضّلال، فإن كلا منهم قد بذل فى ذلك وسعه الذي لا يكلفه اللّه تعالى أكثر منه.
و قال آخر- مما حكاه القاضى عياض-: إن نهيه- صلى اللّه عليه و سلم- عن التفضيل كان قبل أن يعلم أنه سيد ولد آدم، فنهى عن التفضيل إذ يحتاج إلى توقيف، و إن من فضل بلا علم فقد كذب. قال الحافظ عماد الدين بن كثير: و فى هذا نظر. انتهى. و لعل وجه النظر من جهة معرفة المتقدم تاريخا من ذلك. ثم رأيت فى تاريخ ابن كثير أن وجه النظر- من جهة- أن هذا من رواية أبى سعيد و أبى هريرة، و ما هاجر أبو هريرة إلا عام خيبر متأخرا، فيبعد أنه لم
[١] صحيح: أخرجه البخاري (٣٤١٦) فى أحاديث الأنبياء، باب: قول اللّه تعالى: وَ إِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ، و مسلم (٢٣٧٣) فى الفضائل، باب: من فضائل موسى- صلى اللّه عليه و سلم-.
[٢] صحيح: و قد تقدم حديث أبى هريرة قبل قليل.
[٣] سورة البقرة: ١٣٦.