المواهب اللدنية بالمنح المحمدية - أحمد بن محمد القسطلاني - الصفحة ٢٨١ - تعريف المعجزة بالدليل
القرطبى: قصة نبع الماء من بين أصابعه قد تكررت منه- صلى اللّه عليه و سلم- فى عدة مواطن فى مشاهد عظيمة، و وردت من طرق كثيرة، يفيد مجموعها العلم القطعى المستفاد من التواتر المعنوى، و لم يسمع بمثل هذه المعجزة عن غير نبينا- صلى اللّه عليه و سلم-، حيث نبع الماء من بين عظمه و عصبه و لحمه و دمه، و قد نقل ابن عبد البر عن المزنى أنه قال: نبع الماء من بين أصابعه- صلى اللّه عليه و سلم- أبلغ فى المعجزة من نبع الماء من الحجر حيث ضربه موسى بالعصا فتفجرت منه المياه، لأن خروج الماء من الحجارة معهود بخلاف خروج الماء من بين اللحم و الدم. انتهى.
و قد روى حديث نبع الماء جماعة من الصحابة، منهم أنس و جابر و ابن مسعود. فأما حديث أنس ففى الصحيحين قال: رأيت رسول اللّه- صلى اللّه عليه و سلم- و حانت صلاة العصر، و التمس الناس الوضوء فلم يجدوه، فأتى رسول اللّه- صلى اللّه عليه و سلم- بوضوء فوضع يده فى ذلك الإناء، فأمر الناس أن يتوضئوا منه، فرأيت الماء ينبع من بين أصابعه، فتوضأ الناس حتى توضئوا من عند آخرهم و فى لفظ البخاري: كانوا ثمانين رجلا، و فى لفظ له: فجعل الماء ينبع من بين أصابعه و أطراف أصابعه حتى توضأ القوم، قال: فقلنا لأنس كم كنتم قال:
كنا ثلاثمائة [١].
قوله: «حتى توضئوا من عند آخرهم» قال الكرمانى: حتى للتدريج، و من للبيان، أى: توضأ الناس حتى توضأ الذين هم عند آخرهم، و هو كناية عن جميعهم، و «عند» بمعنى «فى» لأن «عند» و إن كانت للظرفية الخاصة لكن المبالغة تقتضى أن تكون لمطلق الظرفية، فكأنه قال: الذين هم فى آخرهم.
و قال التيمى: المعنى توضأ القوم حتى وصلت النوبة إلى الآخر، و قال النووى: «من» هنا بمعنى «إلى» و هى لغة، و تعقبه الكرمانى بأنها شاذة، قال:
ثم إن «إلى» لا يجوز أن تدخل على «عند» و يلزم عليه و على ما قاله التيمى أن لا يدخل إلا خبر، لكن ما قاله الكرمانى من أن «إلى» لا تدخل على عند
[١] صحيح: أخرجه البخاري (١٦٩) فى الوضوء، باب: التماس الوضوء إذا حانت الصلاة، و أطرافه (١٩٥ و ٢٠٠ و ٣٥٧٢ و ٣٥٧٣ و ٣٥٧٤ و ٣٥٧٥)، و مسلم (٢٢٧٩) فى الفضائل، باب: فى معجزات النبيّ- صلى اللّه عليه و سلم-.