المواهب اللدنية بالمنح المحمدية - أحمد بن محمد القسطلاني - الصفحة ٨٩ - الفصل الثانى فيما أكرمه اللّه تعالى به من الأخلاق الزكية و شرفه به من الأوصاف المرضية
فلو أن ركبا يمموك لقادهم * * * نسيمك حتى يستدل به الركب
و عن أنس قال: كان رسول اللّه- صلى اللّه عليه و سلم- إذا مر فى طريق من طرق المدينة و جدوا منه رائحة الطيب و قالوا: مر رسول اللّه- صلى اللّه عليه و سلم- من هذا الطريق [١]. رواه أبو يعلى و البزار بإسناد صحيح. و ما أحسن قول القائل:
يروح على غير الطريق التي غدا * * * عليها فلا ينهى علاه نهاته
تنفسه فى الوقت أنفاس عطره * * * فمن طيبه طابت له طرقاته
تروح له الأرواح حيث تنسمت * * * لها سحرا من حيه نسماته
و عن عائشة قالت: كان رسول اللّه- صلى اللّه عليه و سلم- أحسن الناس وجها و أنورهم لونا، لم يصفه واصف قط إلا شبه وجهه بالقمر ليلة البدر. و كان عرقه فى وجهه مثل اللؤلؤ، أطيب من المسك الإذفر. رواه أبو نعيم. و عن أنس قال:
دخل علينا رسول اللّه- صلى اللّه عليه و سلم- فقال عندنا، فعرق و جاءت أمى بقارورة فجعلت تسلت العرق فيها، فاستيقظ- صلى اللّه عليه و سلم- فقال: «يا أم سليم ما هذا الذي تصنعين؟» قالت: هذا عرقك نجعله لطيبنا، و هو أطيب الطيب [٢]. رواه مسلم.
و فى رواية له: كان- صلى اللّه عليه و سلم- يدخل بيت أم سليم فينام على فراشها و ليست فيه. قال فجاء ذات يوم فنام على فراشها فأتيت فقيل لها هذا النبيّ نائم فى بيتك على فراشك قال: فجاءت و قد عرق و استنقع عرقه على قطعة أديم على الفراش، ففتحت عتيدتها فجعلت تنشف ذلك العرق فتعصره فى قواريرها، ففزع- صلى اللّه عليه و سلم- فقال: «ما تصنعين يا أم سليم» فقالت: يا رسول اللّه نرجو بركته لصبياننا، قال: «أصبت» و العتيدة: كالصندوق الصغير الذي تترك فيه المرأة ما يعز عليها من متاعها.
[١] ذكره الهيثمى فى «المجمع» (٨/ ٢٨٢) و قال: رواه أبو يعلى و البزار و الطبرانى فى الأوسط، و رجال أبى يعلى وثقوا.
[٢] صحيح: أخرجه مسلم (٢٣٣١) فى الفضائل، باب: طيب عرق النبيّ- صلى اللّه عليه و سلم- و التبرك به.