المواهب اللدنية بالمنح المحمدية - أحمد بن محمد القسطلاني - الصفحة ٨٧ - الفصل الثانى فيما أكرمه اللّه تعالى به من الأخلاق الزكية و شرفه به من الأوصاف المرضية
الحمرة، و المنفى ما لا تخالطه، و هو الذي تكره العرب لونه و تسميه أمهق، و بهذا تبين أن رواية المروزى أمهق ليس بأبيض مقلوبة، على أنه يمكن توجيهها بأن المراد بالأمهق الأخضر اللون الذي ليس بياضه فى الغاية، و لا سمرته و لا حمرته، فقد نقل عن رؤبة: أن المهق خضرة الماء، فهذا التوجيه يتم على تقدير ثبوت الرواية، و قد تقدم فى حديث أبى جحيفة إطلاق كونه كان أبيض، و كذا فى حديث أبى الطفيل عند مسلم و الترمذى.
و فى حديث سراقة عند ابن إسحاق فجعلت أنظر إلى ساقه كأنها جمارة، و لأحمد من حديث محرش الكعبى فى عمرة الجعرانة قال: فنظرت إلى ظهره كأنه سبيكة فضة [١]. و عن سعيد بن المسيب أنه سمع أبا هريرة يصفه- صلى اللّه عليه و سلم- فقال: كان شديد البياض [٢] أخرجه يعقوب بن سفيان و البزار بإسناد قوى. و يجمع بينهما بما تقدم. و قال البيهقي: يقال: إن المشرب منه بحمرة و إلى السمرة منه ما ضحى للشمس و الريح أى كالوجه و العنق و أما ما تحت الثياب فهو الأزهر الأبيض انتهى. و هذا ذكره ابن أبى خيثمة عقب حديث عائشة فى صفته- صلى اللّه عليه و سلم- بأبسط من هذا و زاد: و لونه الذي لا يشك فيه الأبيض الأزهر. انتهى و اللّه أعلم.
و قد ضعف بعضهم قول من قال: إنما وصف بالسمرة ما كانت الشمس تصيب منه، بأن أنسا لا يخفى عليه أمره حتى يصفه بغير صفته اللازمة له لقربه منه، و لم يكن- صلى اللّه عليه و سلم- ملازما للشمس، نعم لو وصفه بذلك بعض القادمين ممن صادفه فى وقت غيرته الشمس لأمكن، فالأولى حمل السمرة فى رواية أنس على الحمرة التي تخالط البياض كما قدمناه.
تنبيه: فى الشفاء حكاية عن أحمد بن سليمان صاحب سحنون: من قال إن النبيّ- صلى اللّه عليه و سلم- أسود يقتل. انتهى. و هذا يقتضى أن مجرد الكذب عليه فى صفة من صفاته كفر يوجب القتل. و ليس كذلك، بل لا بد من ضميمة ما يشعر بنقص فى ذلك. كما فى مسألتنا هذه فإن الأسود لون مفضول.
[١] تقدم.
[٢] تقدم.