المواهب اللدنية بالمنح المحمدية - أحمد بن محمد القسطلاني - الصفحة ٦٢٩ - المقصد السابع الفصل الأول فى وجوب محبته و اتباع سنته و الاقتداء بهديه و سيرته- صلى اللّه عليه و سلم
محبته فى أمرين، أداء فرائضه، و التقرب إليه بالنوافل، و أن المحب لا يزال يكثر من النوافل حتى يصير محبوبا للّه، فإذا صار محبوبا للّه أوجبت محبة اللّه له محبة أخرى منه للّه فوق المحبة الأولى، فشغلت هذه المحبة قلبه عن الفكرة و الاهتمام بغير محبوبه، و ملك عليه روحه، و لم يبق فيه سعة لغير محبوبه البتة، فصار ذكر محبوبه و حبه مثله الأعلى مالكا لزمام قلبه، مستوليا على روحه استيلاء المحبوب على محبه الصادق فى محبته التي قد اجتمعت قوى محبه كلها له، و لا ريب أن هذا المحب إن سمع سمع بمحبوبه و إن أبصر أبصر به، و إن مشى مشى به، فهو فى قلبه و نفسه، و أنيسه و صاحبه. و الباء- هنا- باء المصاحبة، و هى مصاحبة لا نظير لها، و لا تدرك بمجرد الإخبار عنها و العلم بها، فالمسألة حالية [١] لا علمية محضة.
قال: و لما حصلت الموافقة من العبد لربه فى محابه، حصلت موافقة الرب لعبده فى حوائجه و مطالبه فقال: «و لئن سألنى لأعطينه، و لئن استعاذنى لأعيذنه» أى كما وافقنى فى مرادى بامتثال أوامرى، و التقرب إلى بمحابى، فأنا أوافقه فى رغبته و رهبته فيما يسألنى أن أفعله به، و فيما يستعذ بى أن يناله. و قوى أمر هذه الموافقة من الجانبين حتى اقتضى تردد الرب سبحانه فى إماتة عبده لأنه يكره الموت، و الرب تعالى يكره ما يكره عبده، و يكره مساءته فمن هذه الجهة يقتضى أن لا يميته و لكن مصلحته فى إماتته، فإنه ما أماته إلا ليحييه، و لا أمرضه إلا ليصحه، و لا أفقره إلا ليغنيه، و لا منعه إلا ليعطيه، و لم يخرجه من الجنة فى صلب أبيه آدم إلا ليعاد إليها على أحسن أحواله، فهذا هو الحبيب على الحقيقة لا سواه، انتهى.
و قال الخطابى: التردد فى حق اللّه غير جائز، و البداء عليه فى الأمور غير سائغ، و لكن له تأويلان:
أحدهما: أن العبد قد يشرف على الهلاك فى أيام عمره من داء يصيبه، أو فاقة تنزل به، فيدعو اللّه فيشفيه منها، و يدفع عنه مكروهها، فيكون ذلك
[١] حالية: نسبة إلى حال النفس.