المواهب اللدنية بالمنح المحمدية - أحمد بن محمد القسطلاني - الصفحة ٦٢٢ - المقصد السابع الفصل الأول فى وجوب محبته و اتباع سنته و الاقتداء بهديه و سيرته- صلى اللّه عليه و سلم
و معنى حلاوة الإيمان: استلذاذ الطاعات و تحمل المشقات فى الدين، و يؤثر ذلك على أغراض الدنيا، و محبة العبد للّه تعالى تحصل بفعل طاعته و ترك مخالفته، و كذلك الرسول، قال النووى: و قال غيره: معناه أن من استكمل الإيمان علم أن حق اللّه و رسوله أكد عليه من حق والده و ولده و جميع الناس، لأن الهدى من الضلال، و الخلاص من النار، إنما كان على لسان رسوله.
و فى قوله- صلى اللّه عليه و سلم-: «حلاوة الإيمان» استعارة تخييلية، فإنه شبه رغبة المؤمن فى الإيمان بشيء حلو، و أثبت له لازم ذلك الشيء و أضافه إليه، و فيه تلميح إلى قصة المريض و الصحيح، لأن المريض الصفراوى يجد طعم العسل مرّا، و الصحيح يذوق حلاوته على ما هى، و كلما نقصت القوة شيئا ما، نقص ذوقه بقدر ذلك.
و قال العارف ابن أبى حمزة: و اختلف فى الحلاوة المذكورة هل هى محسوسة أو معنوية، فحملها قوم على المعنى و هم الفقهاء، و حملها قوم على المحسوس و أبقوا اللفظ على ظاهره من غير أن يتأولوه و هم أهل الصفة، أو قال الصوفة. قال: و الصواب معهم فى ذلك و اللّه أعلم، لأن ما ذهبوا إليه أبقوا لفظ الحديث على ظاهره من غير تأويل. قال: و يشهد إلى ما ذهبوا إليه أحوال الصحابة و السلف الصالح و أهل المعاملات، فإنه حكى عنهم أنهم وجدوا الحلاوة محسوسة.
فمن ذلك: حديث بلال حين صنع به ما صنع فى الرمضاء إكراها على الكفر، و هو يقول أحد أحد، فمزج مرارة العذاب بحلاوة الإيمان. و كذلك أيضا عند موته، أهله يقولون: وا كرباه، و هو يقول: وا طرباه، غدا ألقى الأحبة محمدا و صحبه، فمزج مرارة الموت بحلاوة اللقاء و هى حلاوة الإيمان.
و منها حديث الصحابى الذي سرق فرسه بليل و هو فى الصلاة، فرأى السارق حين أخذه فلم يقطع لذلك صلاته، فقيل له فى ذلك فقال: ما كنت فيه ألذ من ذلك، و ليس ذاك إلا لحلاوة الإيمان التي وجدها محسوسة فى وقته ذلك.