المواهب اللدنية بالمنح المحمدية - أحمد بن محمد القسطلاني - الصفحة ٥٣٩ - النوع الثالث فى وصفه له- صلى اللّه عليه و سلم- بالشهادة و شهادته له بالرسالة
و قال تعالى: قُلْ يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً [١]. ففى هذه الآية دلالة على أنه- صلى اللّه عليه و سلم- مبعوث إلى كافة الثقلين. و قالت العيسوية من اليهود- و هم أتباع عيسى الأصبهاني-. إن محمدا صادق مبعوث إلى العرب، غير مبعوث إلى بنى إسرائيل.
و دليلنا على إبطال قولهم هذه الآية، لأن قوله: يا أَيُّهَا النَّاسُ خطاب يتناول كل الناس، ثم قال: إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً [٢] و هذا يقتضى كونه مبعوثا إلى جميع الناس. و أيضا: فلأنا نعلم بالتواتر أنه كان يدعى أنه مبعوث إلى الثقلين. فإما أن تقول: كان رسولا حقّا، أو ما كان كذلك، فإن كان رسولا حقّا امتنع الكذب عليه، و وجب الجزم بكونه صادقا فى كل ما يدعيه، فلما ثبت بالتواتر و بظاهر هذه الآية أنه كان يدعى كونه مبعوثا إلى جميع الثقلين، وجب كونه صادقا، و ذلك يبطل قول من يقول:
إنه كان مبعوثا إلى العرب فقط، لا إلى بنى إسرائيل. و إذا ثبت هذا فنقول:
قوله تعالى: قُلْ يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً [٣] من الناس من يقول إنه عام دخله التخصيص، و منهم من أنكر ذلك. أما الأولون فقالوا:
دخله التخصيص من وجهين:
الأول: أنه رسول إلى الناس إذا كانوا من جملة المكلفين، فأما إذا لم يكونوا من جملة المكلفين لم يكن رسولا إليهم، و ذلك لأنه- صلى اللّه عليه و سلم- قال:
«رفع القلم عن ثلاث: عن الصبى حتى يبلغ، و عن النائم حتى يستيقظ، و عن المجنون حتى يفيق» [٤] رواه ابن جرير عن ابن عباس.
[١] سورة الأعراف: ١٥٨.
[٢] سورة الأعراف: ١٥٨.
[٣] سورة الأعراف: ١٥٨.
[٤] صحيح: أخرجه أبو داود (٤٣٩٩- ٤٤٠٣) فى الحدود، باب: فى المجنون يسرق أو يصيب حدّا، و الترمذى (١٤٢٣) فى الحدود، باب: ما جاء فيمن لا يجب عليه الحد، و ابن ماجه (٢٠٤٢) فى الطلاق، باب: طلاق المعتوه و الصغيرة و النائم، من حديث على- رضى اللّه عنه-، و فى الباب عن عائشة- رضى اللّه عنها-، و الحديث صححه الشيخ الألبانى فى «صحيح الجامع» (٣٥١٢ و ٣٥١٣ و ٣٥١٤).