المواهب اللدنية بالمنح المحمدية - أحمد بن محمد القسطلاني - الصفحة ٥٣٦ - النوع الثالث فى وصفه له- صلى اللّه عليه و سلم- بالشهادة و شهادته له بالرسالة
تقول عليه بعض الأقاويل، بل لا بد أن يجعله عبرة لعباده، كما جرت بذلك سننه فى المتقولين عليه.
و قال تعالى: أَمْ يَقُولُونَ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً فَإِنْ يَشَإِ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلى قَلْبِكَ [١] هاهنا انتهى جواب الشرط. ثم أخبر خبرا جازما غير معلق بأنه يمحو الباطل و يحق الحق. و قال تعالى: وَ ما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قالُوا ما أَنْزَلَ اللَّهُ عَلى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ [٢]، فأخبر أن من نفى عنه الإرسال و الكلام لم يقدره حق قدره، و لا عرفه كما ينبغى و لا عظمه كما يستحق، فكيف من ظن أن اللّه ينصر الكاذب المفترى عليه، و يؤيده و يظهر على يديه الآيات و الأدلة؟
و هذا فى القرآن كثير يستدل تعالى بكماله المقدس و أوصافه و جلاله على صدق رسوله، و على وعده و وعيده، و يدعو عباده إلى ذلك.
و قال تعالى لمن طلب آية تدل على صدق رسوله: أَ وَ لَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ يُتْلى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذلِكَ لَرَحْمَةً وَ ذِكْرى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٥١) قُلْ كَفى بِاللَّهِ بَيْنِي وَ بَيْنَكُمْ شَهِيداً يَعْلَمُ ما فِي السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ وَ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْباطِلِ وَ كَفَرُوا بِاللَّهِ أُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ [٣]، فأخبر سبحانه أن الكتاب الذي أنزله يكفى من كل آية، ففيه الحجة و الدلالة على أنه من اللّه، و أن اللّه سبحانه أرسل به رسوله، و فيه بيان ما يوجب لمن اتبعه السعادة، و ينجيه من العذاب.
ثم قال: قُلْ كَفى بِاللَّهِ بَيْنِي وَ بَيْنَكُمْ شَهِيداً يَعْلَمُ ما فِي السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ [٤] فإذا كان سبحانه عالما بجميع الأشياء كانت شهادته أصدق شهادة و أعدلها، فإنها شهادة بعلم تام محيد بالمشهود به، و هو سبحانه و تعالى يذكر علمه عند شهادته و قدرته، و ملكه عند مجازاته، و حكمته عند خلقه، و أمره و رحمته عند ذكر إرسال رسله، و حلمه عند ذنوب عباده. فتأمل ورود أسمائه الحسنى
[١] سورة الشورى: ٢٤.
[٢] سورة الأنعام: ٩١.
[٣] سورة العنكبوت: ٥١، ٥٢.
[٤] سورة العنكبوت: ٥٢.