المواهب اللدنية بالمنح المحمدية - أحمد بن محمد القسطلاني - الصفحة ٥٣٥ - النوع الثالث فى وصفه له- صلى اللّه عليه و سلم- بالشهادة و شهادته له بالرسالة
نكذبك و لكن نكذب بما جئت به، فأنزل اللّه تعالى الآية. و المعنى: أنهم ينكرونه مع العلم بصحته. إذ الجحد هو الإنكار مع العلم.
فإن قلت: فما الجمع بين هذا و بين قوله تعالى: وَ لَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ [١]؟ أجيب: بأنه على طريق الجحد، و هو يختلف باختلاف أحوالهم فى الجهل، فمنهم من وقع منه ذلك لجهله، فحيث علم آمن، و منهم من علم و أنكر كفرا و عنادا كأبى جهل. فيكون المراد بقوله فإنهم لا يكذبونك، قوما مخصوصين منهم لا كلهم، و حينئذ فلا تعارض.
و روى أن أبا جهل لقيه فصافحه فقيل له: أ تصافحه؟ فقال: و اللّه إنى لأعلم أنه نبى، و لكن متى كنا تبعا لبنى عبد مناف؟ فأنزل اللّه الآية، رواه أبو حاتم. و القرآن كله مملوء بالآيات الدالة على صدق هذا الرسول الكريم، و تحقيق رسالته، فكيف يليق بكمال اللّه أن يقر من يكذب عليه أعظم الكذب، و يخبر عنه بخلاف ما الأمر عليه، ثم ينصره على ذلك و يؤيده، و يعلى كلمته و يرفع شأنه، و يجيب دعوته و يهلك عدوه، و يظهر على يده من الآيات و البراهين و الأدلة ما يضعف عن مثله قوى البشر، و هو مع ذلك كاذب عليه، مفتر ساع فى الأرض بالفساد؟؟ و معلوم أن شهادته سبحانه و تعالى على كل شيء، و قدرته على كل شيء، و حكمته و عزته و كماله المقدس يأبى ذلك كل الإباء، و من ظن ذلك به و جوزه عليه فهو من أبعد الخلق عن معرفته إن عرف منه بعض صفاته كصفة القدرة و صفة المشيئة.
و القرآن كله مملوء من هذه الطريق، و هذه طريقة الخاصة، بل خاصة الخاصة الذين يستدلون باللّه على أفعاله، و ما يليق به أن يفعله و ما لا يفعله.
و إذا تدبرت القرآن رأيته ينادى على ذلك و يبديه و يعيده لمن له فهم و قلب واع عن اللّه تعالى. قال اللّه تعالى: وَ لَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنا بَعْضَ الْأَقاوِيلِ (٤٤) لَأَخَذْنا مِنْهُ بِالْيَمِينِ (٤٥) ثُمَّ لَقَطَعْنا مِنْهُ الْوَتِينَ (٤٦) فَما مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حاجِزِينَ [٢]، أ فتراه سبحانه و تعالى يخبر أن كماله و حكمه يأبى أن يقرّ من
[١] سورة الأنعام: ٣٤.
[٢] سورة الحاقة: ٤٤- ٤٧.