المواهب اللدنية بالمنح المحمدية - أحمد بن محمد القسطلاني - الصفحة ٤٤٧ - المقصد الخامس الإسراء و المعراج
- صلى اللّه عليه و سلم- من تعظيم شعائر اللّه، و إشارة لأمته بالفعل بتعظيم شعائر اللّه، كما نص لهم عليه بالقول.
و أما قوله: «ثم أتيت بدابة دون البغل و فوق الحمار أبيض، يضع خطوه عند أقصى طرفه فحملت عليه فانطلق بى جبريل حتى أتى السماء الدنيا» و فى رواية عنده فى الصلاة «ثم أخذ بيدى فعرج بى إلى السماء». فظاهره:
أنه استمر على البراق حتى عرج إلى السماء.
قال العارف ابن أبى جمرة: أفاد ذلك أنهم كانوا يمشون فى الهواء، و قد جرت العادة بأن البشر لا يمشى فى الهواء، سيما و قد كان راكبا على دابة من ذوات الأربع، لكن لما أن شاءت القدرة ذلك كان، فكما بسط اللّه تعالى لهم الأرض يمشون عليها، كذلك يمشون فى الهواء، كل ذلك بيد قدرته، لا ترتبط قدرته تعالى بعادة جارية. و قد سئل- صلى اللّه عليه و سلم- حين أخبر عن الأشقياء الذين يمشون على وجوههم يوم القيامة فقال- صلى اللّه عليه و سلم-: «الذي أمشاهم فى الدنيا على أقدامهم قادر أن يمشيهم يوم القيامة على وجوههم» [١]. انتهى.
و قد استدل بعضهم بهذا الحديث على أن المعراج كان فى ليلة غير ليلة الإسراء إلى بيت المقدس، لكون الإسراء إليهم لم يذكر هنا. فأما المعراج ففى غير هذه الرواية من الأخبار أنه لم يكن على البراق، بل رقى فى المعراج و هو السلم، كما وقع التصريح به فى حديث عند ابن إسحاق و البيهقي فى الدلائل كما سيأتى- إن شاء اللّه تعالى-.
و يمكن أن يقال: ما وقع هنا اختصار من الراوى، و الإتيان ب «ثم» المقتضية للتراخى لا ينافى وقوع الإسراء بين الأمرين المذكورين، و هما:
الانطلاق و العروج. و حاصله: أن بعض الرواة ذكر ما لم يذكره الآخر، و ثابت البنانى قد حفظ الحديث. ففى روايته عند مسلم: أنه أتى بيت المقدس فصلى فيه ثم عرج إلى السماء كما سيأتى- إن شاء اللّه تعالى-. و قد قيل:
إن الحكمة فى الإسراء به راكبا، مع القدرة على طى الأرض له، إشارة إلى
[١] صحيح: و الحديث أخرجه مسلم (٢٨٠٦) فى صفة القيامة، باب يحشر الكافر على وجهه، من حديث أنس- رضى اللّه عنه-.