المواهب اللدنية بالمنح المحمدية - أحمد بن محمد القسطلاني - الصفحة ٤١٥ - الفصل الثانى فيما خصّه اللّه تعالى به من المعجزات و شرفه به على سائر الأنبياء من الكرامات و الآيات البينات
و منها أن الطاعون لهم شهادة و رحمة، و كان على الأمم عذابا. رواه أحمد و الطبرانى فى الكبير، عن حديث أبى عسيب مولى رسول اللّه- صلى اللّه عليه و سلم-. و رجال أحمد ثقات و لفظه: «الطاعون شهادة لأمتى و رحمة لهم و رجز على الكافرين» [١].
* و منها: أنهم إذا شهد اثنان منهم لعبد بخير وجبت له الجنة
[٢]. و كان الأمم السالفة إذا شهد منهم مائة.
* و منها أنهم أقل الأمم عملا، و أكثرهم أجرا
و أقصرهم أعمارا، و أوتوا العلم الأول و الآخر، و آخر الأمم فافتضحت الأمم عندهم و لم يفتضحوا.
* و منها: أنهم أوتوا الإسناد،
و هو خصيصة فاضلة من خصائص هذه الأمة، و سنة بالغة من السنن المؤكدة. و قد روينا من طريق أبى العباس الدغولى قال: سمعت محمد بن حاتم بن المظفر يقول: إن اللّه قد أكرم هذه الأمة و شرفها و فضلها بالإسناد، و ليس لأحد من الأمم كلها قديمها و حديثها إسناد موصول، إنما هو صحف فى أيديهم، و قد خلطوا بكتبهم أخبارهم، فليس عندهم تمييز بين ما نزل من التوراة و الإنجيل و بين ما ألحقوه بكتبهم من الأخبار التي اتخذوها عن غير الثقات.
و هذه الأمة الشريفة- زادها اللّه شرفا بنبيها- إنما تنص الحديث عن الثقة المعروف فى زمانه بالصدق و الأمانة عن مثله حتى تتناهى أخبارهم، ثم يبحثون أشد البحث حتى يعرفوا الأحفظ فالأحفظ، و الأضبط فالأضبط، و الأطول مجالسة لمن فوقه ممن كان أقصر مجالسة، ثم يكتبون الحديث من عشرين وجها و أكثر، حتى يهذبوه من الغلط و الزلل، و يضبطوا حروفه و يعدوه عدّا، فهذا من فضل اللّه على هذه الأمة، فنستودع اللّه تعالى شكر هذه النعمة و غيرها من نعمه.
[١] أخرجه أحمد فى «المسند» (٥/ ٨١) من حديث عسيب مولى رسول اللّه- صلى اللّه عليه و سلم-، و طرفه الأول فى الصحيح، من حديث أنس- رضى اللّه عنه-.
[٢] صحيح: و الحديث الدال على ذلك أخرجه البخاري (١٣٦٨) فى الجنائز، باب: ثناء الناس على الميت، من حديث عمر- رضى اللّه عنه-.