المواهب اللدنية بالمنح المحمدية - أحمد بن محمد القسطلاني - الصفحة ٣٨٤ - الفصل الثانى فيما خصّه اللّه تعالى به من المعجزات و شرفه به على سائر الأنبياء من الكرامات و الآيات البينات
و فيه: أنه أمر بقتل عبد اللّه بن خطل، لأن ابن خطل كان يقول الشعر يهجو به النبيّ- صلى اللّه عليه و سلم- و يأمر جاريتيه أن تغنيا به، و كذلك قتل جاريتيه [١].
قالوا: فقد ثبت أنه أمر بقتل من آذاه، و من تنقّصه، و الحق له- صلى اللّه عليه و سلم- و هو مخير فيه، فاختار القتل لعدم الاطلاع على العفو، و ليس لأمته بعده أن يسقطوا حقه- صلى اللّه عليه و سلم-، فإنه لم يرد عنه الإذن فى ذلك.
و أما الإجماع: فقال القاضى عياض: أجمعت الأمة على قتل منتقصه من المسلمين و سابه، فقال ابن المنذر: أجمع عوام أهل العلم على أن من سب النبيّ- صلى اللّه عليه و سلم- يقتل، و ممن قال ذلك: مالك بن أنس و الليث و أحمد و إسحاق، و هو مذهب الشافعى، و قال الخطابى: لا أعلم أحدا من المسلمين اختلف فى وجوب قتله إذا كان مسلما. و قال محمد بن سحنون: أجمع العلماء على أن شاتم النبيّ- صلى اللّه عليه و سلم- المنتقص له كافر، و الوعيد جار عليه بعذاب اللّه و حكمه عند الأمة القتل، و من شك فى كفره و عذابه كفر. انتهى.
و مذهب الشافعية: أن ذلك ردة، تخرج من الإسلام إلى الكفر، فهو مرتد كافر قطعا لا نزاع فى ذلك عند الجمهور من أئمتنا، و المرتد يستتاب، فإن تاب و إلا قتل.
و فى الاستتابة قولان: أصحهما وجوبها، لأنه كان محترما بالإسلام، و إنما عرضت له شبهة، فينبغى إزالتها، و قيل: تستحب لأنه غير مضمون الدم، فإن قلنا بالأول فتجب فى الحال و لم يؤجل كغيره. و فى الصحيح حديث «من بدل دينه فاقتلوه» [٢] و فى قول: يمهل ثلاثة أيام، فإن لم يتب و أصر- رجلا كان أو امرأة- قتل، و إن أسلم صح إسلامه و ترك لقوله تعالى:
فَإِنْ تابُوا وَ أَقامُوا الصَّلاةَ [٣] الآية.
[١] ذكر الهيثمى فى «المجمع» (٦/ ١٧٣) من حديث سعيد بن يربوع، أن إحداهما قتلت، و الأخرى أقبلت على رسول اللّه- صلى اللّه عليه و سلم- فأسلمت، و قال: رواه الطبرانى و إسناده ثقات.
[٢] صحيح: أخرجه البخاري (٦٩٢٢) فى استتابة المرتدين، باب: حكم المرتد و المرتدة و استتابتهم، من حديث ابن عباس- رضى اللّه عنهما-.
[٣] سورة التوبة: ٥.