المواهب اللدنية بالمنح المحمدية - أحمد بن محمد القسطلاني - الصفحة ٣٥٤ - الفصل الثانى فيما خصّه اللّه تعالى به من المعجزات و شرفه به على سائر الأنبياء من الكرامات و الآيات البينات
الآية ليس فيها أصلا ما يفهم منه أنه ليس رسولا إلى غيرهم إلا على مذهب الدقاق، بل و لا يتم على مذهب التمسك بهذا المفهوم أيضا لأن الدقاق إنما يقول به حيث لم يظهر غرض آخر سواه فى تخصيص ذلك الاسم، و حيث ظهر غرض لا يقول بالمفهوم، بل يحمل التخصيص على ذلك الغرض، و الغرض فى الآية التعميم فى جميع الناس، و عدم اختصاص الرسالة ببعضهم، فلا يلزم نفى الرسالة عن غيرهم، لا على مذهب الدقاق و لا على مذهب غيره. و إنما خاطب الناس لأنهم الذين تغلب رؤيتهم و الخطاب معهم، فمقصود الآية خطاب الناس، و التعميم فيهم لا النفى عن غيرهم، و هذا إذا قلنا إن لفظ الناس لا يشمل الجن، فإن قلنا إنه يشملهم فواضح.
و الخلاف فيه مبنى على الخلاف فى اشتقاق «الناس»، هل هو من النوس، و هو الحركة، أو من الأنس ضد الوحشة؟ فإذا قلنا بالأول أطلق على الفريقين، و لكن استعماله فى الإنس أغلب، فحيث أطلق فالمراد به ولد آدم، و إذا قلنا بالثاني فلا، لأنا لا نبصر الجن و لا نأنس بهم، فدخول الجن فى الآية إما ممتنع و إما قليل فلا يحمل عليه، و بهذا يتبين ضعف الاستدلال بها، لكنها لا تدل على خلافه.
و أما قول الضحاك و من تبعه: أن الرسل إلى الجن منهم، لقوله تعالى:
يا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَ الْإِنْسِ أَ لَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ [١] فهو ظاهر الآية، لكن لم يقل الضحاك و لا أحد غيره باستمرار ذلك فى هذه الملة. و إنما محل الخلاف فى ذلك فى الملل المتقدمة خاصة، و أما فى هذه الملة فنبينا محمد،- صلى اللّه عليه و سلم- هو المرسل إليهم و إلى غيرهم، و لم ينقل أحد عن الضحاك أن رسل الجن منهم مطلقا، و لا ينبغى أن ينسب إليه ما يخالف الإجماع، على أن الأكثرين قالوا: لم تكن الرسل إلا من الإنس، و لم يكن من الجن قط رسول، لكن لما جمعوا مع الجن فى الخطاب صح ذلك. و نظيره: يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَ الْمَرْجانُ [٢] و هما يخرجان من الملح دون العذب، و قيل الرسل من الجن
[١] سورة الأنعام: ١٣٠.
[٢] سورة الرحمن: ٢٢.