المواهب اللدنية بالمنح المحمدية - أحمد بن محمد القسطلاني - الصفحة ٣٥٣ - الفصل الثانى فيما خصّه اللّه تعالى به من المعجزات و شرفه به على سائر الأنبياء من الكرامات و الآيات البينات
و منها: أنه لو أدركه الأنبياء لوجب عليهم اتباعه،
كما سيأتى تقريره- إن شاء اللّه تعالى-.
و منها: أنه أرسل إلى الجن اتفاقا،
و الدليل على ذلك قبل الإجماع:
الكتاب و السنة، قال تعالى: لِيَكُونَ لِلْعالَمِينَ نَذِيراً [١]، و قد أجمع المفسرون على دخول الجن فى هذه الآية، و هو مدلول لفظها، فلا يخرج عنه إلا بدليل. و إن قيل إن الملائكة خارجون من ذلك فلا يضر، لأن العام المخصوص حجة عند جمهور العلماء و الأصوليين، و لو بطل الاستدلال بالعمومات المخصوصة لبطل الاستدلال بأكثر الأدلة. و قال تعالى فى الأحقاف: أَجِيبُوا داعِيَ اللَّهِ [٢]، فأمر بعضهم بعضا بإجابته دليل على أنه داع لهم، و هو معنى بعثته إليهم، إلى غير ذلك من الآيات.
و أما السنة، ففى صحيح مسلم من حديث أبى هريرة: أن رسول اللّه- صلى اللّه عليه و سلم- قال: «فضلت على الأنبياء بست» فذكر منها «و أرسلت إلى الخلق كافة» [٣] فإنه يشمل الإنس و الجن، و حمله على الإنس خاصة تخصيص بغير دليل فلا يجوز. و الكلام فيه كالكلام فى آية الفرقان [١].
فإن قلت: إن قوله: قُلْ يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً [٤] وَ ما أَرْسَلْناكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ [٥] ظاهر فى اختصاص رسالته- صلى اللّه عليه و سلم- بالإنس، و احتمال غير ذلك عدول عن الظاهر.
فالجواب: إن هذا إنما يتمشى على مذهب الدقاق القائل بأن مفهوم اللقب حجة، و «الناس» من قبيل اللقب، فإن المسألة المترجمة فى الأصول «بمفهوم اللقب» لا تختص باللقب بل الأعلام كلها و أسماء الأجناس كلها كذلك ما لم تكن صفة. و «الناس» اسم جنس غير صفة فلا مفهوم له. فهذه
[١] سورة الفرقان: ١.
[٢] سورة الأحقاف: ٣١.
[٣] صحيح: و الحديث أخرجه مسلم (٥٢٣٠) فى المساجد، باب: رقم (١).
[٤] سورة الأعراف: ١٥٨.
[٥] سورة سبأ: ٢٨.