المواهب اللدنية بالمنح المحمدية - أحمد بن محمد القسطلاني - الصفحة ٢٩٠ - تعريف المعجزة بالدليل
جئت النبيّ- صلى اللّه عليه و سلم- فساررته فقلت: يا رسول اللّه ذبحنا بهيمة لنا و طحنت صاعا من شعير. فتعال أنت و نفر معك. فصاح النبيّ- صلى اللّه عليه و سلم-: «يا أهل الخندق، إن جابرا صنع سورا، فحى هلا بكم» فقال- صلى اللّه عليه و سلم-: «لا تنزلن برمتكم و لا تخبزن عجينكم حتى أجئ برجال» فأخرجت له عجينا فبصق فيه و بارك ثم عمد إلى برمتنا فبصق و بارك ثم قال: «ادع خابزة فلتخبز معك، و اقدحى من برمتكم و لا تنزلوها» و هم ألف. فأقسم باللّه لقد أكلوا حتى تركوه و انحرفوا، و إن برمتنا لتغط كما هى، و إن عجيننا ليخبز كما هو [١]، رواه البخاري و مسلم. و قوله: «فانكفأت» أى: انقلبت. و قوله: «داجن» يعنى سمينة. و قوله: «فذبحتها» بسكون الحاء، و «طحنت» بسكون التاء، يعنى إن الذي ذبح هو جابر، و التي طحنت هى امرأته سهيلة بنت معوذ الأنصارية. و قوله: «سورا» بضم المهملة و سكون الواو بغير همز. قال ابن الأثير: أى طعاما يدعو إليه الناس. قال: اللفظة فارسية. و قوله: «فحى هلا بكم» كلمة استدعاء فيه حث، أى هلموا مسرعين. و قوله: «و اقدحى» أى:
اغرفى. و قوله: «إن برمتنا لتغط» بالغين المعجمة و الطاء المهملة، أى: تغلى و يسمع غطيطها.
و عن أنس قال: قال أبو طلحة لأم سليم، لقد سمعت صوت رسول اللّه- صلى اللّه عليه و سلم- ضعيفا، أعرف فيه الجوع، فهل عندك من شيء، فقالت: نعم، فأخرجت أقراصا من شعير، ثم أخرجت خمارا، فلفت الخبز ببعضه ثم دسته تحت يدى و لاثتنى ببعضه- أى أدارت بعض الخمار على رأسى مرتين كالعمائم- ثم أرسلتنى إلى رسول اللّه- صلى اللّه عليه و سلم-، فذهبت به فوجدت رسول اللّه- صلى اللّه عليه و سلم- فى المسجد و معه الناس، فسلمت عليه، فقال لى رسول اللّه- صلى اللّه عليه و سلم-: «أرسلك أبو طلحة؟» فقلت: نعم، قال: «لطعام؟» قلت:
نعم، فقال رسول اللّه- صلى اللّه عليه و سلم- لمن معه: «قوموا» فانطلق و انطلقت بين أيديهم، حتى جئت أبا طلحة فأخبرته، فقال أبو طلحة: يا أم سليم قد جاء
[١] صحيح: أخرجه البخاري (٤١٠٢) فى المغازى، باب: غزوة الخندق، و مسلم (٢٠٣٩) فى الأشربة، باب: جواز استتباعه غيره إلى دار من يثق برضاه بذلك.