المواهب اللدنية بالمنح المحمدية - أحمد بن محمد القسطلاني - الصفحة ٢٧٢ - تعريف المعجزة بالدليل
و فى لفظ: قال جابر بن عبد اللّه: كان المسجد مسقوفا على جذوع نخل، فكان النبيّ- صلى اللّه عليه و سلم- إذا خطب يقوم إلى جذع منها، فلما صنع له المنبر سمعنا لذلك الجذع صوتا كصوت العشار- و هو بكسر العين: النوق الحوامل- و فى حديث أبى الزبير عن جابر- عند النسائى فى الكبرى-: اضطربت تلك السارية كحنين الناقة الخلوج. انتهى. و الخلوج:- بفتح الخاء المعجمة، و ضم اللام الخفيفة و آخره جيم- الناقة التي انتزع منها ولدها. و الحنين: صوت المتألم المشتاق عند الفراق.
و إنما يشتاق إلى بركة الرسول و يتأسف على مفارقته أعقل العقلاء.
و العقل و الحنين بهذا الاعتبار يستدعى الحياة، و هذا يدل على أن اللّه عز و جل خلق فيه الحياة و العقل و الشوق و لهذا حنّ و أنّ. فإن قيل: مذهب الشيخ أبى الحسن الأشعرى: أن الأصوات لا يستلزم خلقها فى المحل خلق الحياة و لا العقل.
أجيب: بأنه كذلك، و نحن لم نجعل الحياة لازمة، إلا أن الشوق إلى الحق شوقا معنويّا عقليّا لا طبيعيا بهيميّا. و مذهب الشيخ أبى الحسن أن الذكر المعنوى و الكلام النفسى يستلزمان الحياة استلزام العلم لها. و قد بينا أن هذه المعانى وجدت فى الجذع، و أطلق الحاضرون حينئذ على صوته أنه حنين، و فهموا أنه شوق إلى الذكر و إلى مقام الحبيب عنده، و قد عامله النبيّ- صلى اللّه عليه و سلم- هذه المعاملة، فالتزمه كما يلتزم الغائب أهله و أعزته يبرد غليل شوقهم إليه و أسفهم عليه، و للّه در القائل:
وحن إليه الجذع شوقا ورقة * * * و رجع صوتا كالعشار مرددا
فبادره ضما فقر لوقته * * * لكل امرئ من دهره ما تعودا
و أما حديث أنس، فرواه أبو يعلى الموصلى بلفظ: إن رسول اللّه- صلى اللّه عليه و سلم- كان يوم الجمعة يسند ظهره إلى جذع منصوب فى المسجد يخطب الناس، فجاءه رومى فقال: أ لا أصنع لك شيئا تقعد عليه كأنك قائم؟ فصنع له منبرا له درجتان و يقعد على الثالثة، فلما قعد رسول اللّه- صلى اللّه عليه و سلم- على المنبر