المواهب اللدنية بالمنح المحمدية - أحمد بن محمد القسطلاني - الصفحة ٢٥٧ - تعريف المعجزة بالدليل
و قد أنكر هذه المعجزة جماعة من المبتدعة، كجمهور الفلاسفة، متمسكين بأن الأجرام العلوية لا يتهيأ فيها الانخراق و الالتئام، و كذا قالوا فى فتح أبواب السماء ليلة الإسراء، إلى غير ذلك. و جواب هؤلاء: إن كانوا كفارا أن يناظروا أولا على ثبوت دين الإسلام، فإذا تمت اشتركوا مع غيرهم ممن أنكر ذلك من المسلمين، و متى سلّم المسلم بعض ذلك دون بعض لزم التناقض. و أيضا لا سبيل إلى إنكار ما ثبت فى القرآن من الانخراق و الالتئام فى القيامة، و إذا ثبت هذا استلزم الجواز، و وقوعه معجزة للنبى- صلى اللّه عليه و سلم-. و قد أجاب القدماء عن ذلك، فقال أبو إسحاق الزجاج فى «معانى القرآن»: أنكر بعض المبتدعة الموافقين لمخالفى الملة انشقاق القمر، و لا إنكار للعقل فيه، لأن القمر مخلوق للّه يفعل فيه ما يشاء كما يكوره يوم القيامة و يفنيه. انتهى.
و أما قول بعض الملاحدة: لو وقع هذا النقل جاء متواترا و اشترك أهل الأرض كلهم فى معرفته، و لم يختص بها أهل مكة، لأنه أمر صدر عن حس و مشاهدة، فالناس فيه شركاء، و الدواعى متوفرة على رواية كل غريب، و نقل ما لم يعهد، و لو كان لذلك أصل لخلد فى كتب التسيير و التنجيم، إذ لا يجوز إطباقهم على تركه و إغفاله مع جلالة شأنه و وضوح أمره.
فأجاب عنه الخطابى و غيره: بأن هذه القصة خرجت عن الأمور التي ذكروها، لأنه شيء طلبه خاص من الناس، فوقع ليلا، لأن القمر لا سلطان له بالنهار، و من شأن الليل أن يكون الناس فيه نياما و مستكنين فى الأبنية، و البارز منهم فى الصحراء إذا كان يقظانا يحتمل أن يتفق أنه كان فى ذلك الوقت مشغولا بما يلهيه من سمر و غيره، و من المستبعد أن يقصدوا إلى مراكز القمر ناظرين إليه و لا يغافلوا عنه، فقد يجوز أنه وقع و لم يشعر به أكثر الناس، و إنما رآه من تصدى لرؤيته ممن اقترح وقوعه، و لعل ذلك إنما كان فى قدر اللحظة التي هى مدرك البصر، و قد يكون القمر حينئذ فى بعض المنازل التي تظهر لبعض الآفاق دون بعض، كما يكون ظاهرا لقوم غائبا عند قوم، و كما يجد الكسوف أهل بلد دون بلد آخر.