المواهب اللدنية بالمنح المحمدية - أحمد بن محمد القسطلاني - الصفحة ٢٤٩ - تعريف المعجزة بالدليل
فى زمن رسول اللّه- صلى اللّه عليه و سلم- و لا بعده على نظمه و تأليفه و عذوبة منطقه و صحة معانيه، و ما فيه من الأمثال و الأشياء التي دلت على البعث و آياته، و الإنباء بما كان و بما يكون، و بما فيه من الأمر بالمعروف و النهى عن المنكر، و الامتناع من إراقة الدماء، و صلة الأرحام، إلى غير ذلك، فكيف يقدر على ذلك أحد و قد عجزت عنه العرب الفصحاء و الخطباء البلغاء، و الشعراء الفهماء، من قريش و غيرها، و هو- صلى اللّه عليه و سلم- فى مدة ما عرفوه قبل نبوته و أداء رسالته أربعين سنة لا يحسن نظم كتاب، و لا عقد حساب، و لا يتعلم سحرا، و لا ينشد شعرا، و لا يحفظ خبرا، و لا يروى أثرا، حتى أكرمه اللّه بالوحى المنزل، و الكتاب المفصل، فدعاهم إليه و حاجهم به، قال اللّه تعالى: قُلْ لَوْ شاءَ اللَّهُ ما تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَ لا أَدْراكُمْ بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُراً مِنْ قَبْلِهِ أَ فَلا تَعْقِلُونَ [١]، و شهد له فى كتابه بذلك فقال تعالى: وَ ما كُنْتَ تَتْلُوا مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتابٍ وَ لا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذاً لَارْتابَ الْمُبْطِلُونَ [٢].
و أما ما عدا القرآن من معجزاته- صلى اللّه عليه و سلم-، كنبع الماء من بين أصابعه، و تكثير الطعام ببركته، و انشقاق القمر، و نطق الجماد، فمنه ما وقع التحدى به، و منه ما وقع دالا على صدقه من غير سبق تحد، و مجموع ذلك يفيد القطع بأنه ظهر على يده- صلى اللّه عليه و سلم- من خوارق العادات شيء كثير- كما يقطع بجود حاتم، و شجاعة على- و إن كانت أفراد ذلك ظنية وردت موارد الآحاد مع أن كثيرا من المعجزات النبوية قد اشتهر و رواه العدد الكثير، و الجم الغفير، و أفاد الكثير منه القطع عند أهل العلم بالآثار و العناية بالسير و الأخبار، و إن لم يصل عند غيرهم إلى هذه المرتبة لعدم عنايتهم بذلك.
فلو ادعى مدع أن غالب هذه الوقائع مفيد للقطع النظرى لما كان مستبعدا، و ذلك أنه لا مرية أن رواة الأخبار فى كل طبقة قد حدثوا بهذه الأخبار فى الجملة، و لا يحفظ عن أحد من الصحابة مخالفة الراوى فيما حكاه من ذلك. و لا الإنكار عليه فيما هنالك، فيكون الساكت منهم
[١] سورة يونس: ١٦.
[٢] سورة العنكبوت: ٤٨.