المواهب اللدنية بالمنح المحمدية - أحمد بن محمد القسطلاني - الصفحة ٢٣١ - النوع الرابع فى نومه- صلى اللّه عليه و سلم
المنسى اشتغل، و إن نام فبقلبه و نفسه على اللّه أقبل، و لهذا قالت الصحابة كان- صلى اللّه عليه و سلم- إذا نام لا نوقظه حتى يستيقظ، لأنا لا ندرى ما هو فيه، فنومه عن الصلاة أو نسيانه لشىء منها لم يكن عن آفة، و إنما كان بالتصرف من حالة إلى حالة مثلها لتكون لنا سنة. انتهى.
و قد أجيب عن أصل الإشكال بأجوبة أخرى ضعيفة منها: أن معنى قوله: «لا ينام قلبى» أى لا يخفى عليه حالة انتقاض وضوئه، و منها: أن معناه لا يستغرقه النوم حتى يوجد منه الحدث، و هذا قريب من الذي قبله.
قال ابن دقيق العيد، كأن قائل هذا أراد تخصيص يقظة القلب بإدراك حالة الانتقاض، و ذلك بعيد، و ذلك أن قوله- صلى اللّه عليه و سلم-: «إن عينى تنامان و لا ينام قلبى» [١]خرج جوابا عن قول عائشة: أ تنام قبل أن توتر؟ و هذا كلام لا تعلق له بانتقاض الطهارة الذي تكلموا فيه. و إنما هو جواب يتعلق بأمر الوتر، فتحمل يقظته على تعلق القلب باليقظة للوتر، و فرق بين من شرع فى النوم مطمئن القلب به، و بين من شرع فيه متعلقا باليقظة.
قال: و على هذا فلا تعارض و لا إشكال فى حديث النوم حتى طلعت الشمس، لأنه يحتمل أنه اطمأن فى نومه لما أوجبه تعب السير معتمدا على من وكله بكلاءة الفجر، انتهى.
و محصله تخصيص اليقظة المفهومة من قوله «و لا ينام قلبى» بإدراكه وقت الوتر إدراكا معنويّا لتعلقه به، و أن نومه فى حديث الباب كان نوما مستغرقا، و يؤيده قول بلال: أخذ بنفسى الذي أخذ بنفسك، كما فى حديث أبى هريرة عند مسلم، و لم ينكر عليه، و معلوم أن نوم بلال كان مستغرقا، و قد اعترض عليه: بأن ما قاله يقتضى اعتبار خصوص السبب، و أجاب، بأنه يعتبر إذا قامت عليه قرينة، و أرشد إليها السياق، و هو هنا كذلك.
و من الأجوبة الضعيفة أيضا: قول من قال: كان قلبه يقظانا و علم بخروج الوقت، لكن ترك إعلامهم بذلك لمصلحة التشريع، و اللّه أعلم انتهى.
[١] صحيح: و قد تقدم قبل حديث.