المواهب اللدنية بالمنح المحمدية - أحمد بن محمد القسطلاني - الصفحة ١٧٨ - النوع الأول فى عيشه- صلى اللّه عليه و سلم- فى المأكل و المشرب
قال ابن بطال: و استعذاب الماء لا ينافى الزهد، و لا يدخل في الترفه المذموم، بخلاف تطييب الماء بالمسك و نحوه، فقد كرهه مالك لما فيه من السرف. و أما شرب الماء الحلو و طلبه فمباح قد فعله الصالحون. و ليس فى شرب الماء المالح فضيلة. و قد كان- صلى اللّه عليه و سلم- يشرب العسل الممزوج بالماء البارد.
قال ابن القيم: و فى هذا من حفظ الصحة ما لا يهتدى إلى معرفته إلا أفاضل الأطباء، فإن شرب العسل و لعقه على الريق يزيل البلغم و يغسل خمل المعدة، و يجلو لزوجتها و يدفع عنها الفضلات، و يسخنها باعتدال و يفتح سددها، و الماء البارد رطب يقمع الحرارة و يحفظ البدن. و قالت عائشة: كان أحب الشراب إليه- صلى اللّه عليه و سلم- الحلو البارد [١]. رواه الترمذى. و يحتمل أن تريد به الماء الممزوج بالعسل أو الذي نقع فيه التمر و الزبيب. و كان ينبذ له أول الليل و يشربه إذا أصبح يومه ذلك، و الليلة التي تجيء، و الغد إلى العصر، فإن بقى شيء سقاه الخدام أو أمر به فصب [٢]. رواه مسلم.
و هذا النبيذ: هو ماء يطرح فيه تمر يحليه، و له نفع عظيم فى زيادة القوة، و لم يكن يشربه بعد ثلاث خوفا من تغيره إلى الإسكار. و كان- صلى اللّه عليه و سلم- يشرب اللبن خالصا تارة، و تارة مشوبا بالماء البارد، لأن اللبن عند الحلب يكون حارا، و تلك البلاد فى الغالب حارة، فكان يكسر حر اللبن بالماء البارد. و عن جابر أنه- صلى اللّه عليه و سلم- دخل على رجل من الأنصار، و معه صاحب له، فسلم فرد الرجل و هو يحول الماء فى حائطه، فقال- صلى اللّه عليه و سلم-: «إن كان عندك ماء بات فى شنه و إلا كرعنا» فقال: عندى ماء بات فى شن، فانطلق إلى العريش فسكب فى قدح ثم حلب عليه من لبن داجن، فشرب- صلى اللّه عليه و سلم- [٣] الحديث. رواه البخاري.
[١] صحيح: أخرجه الترمذى (١٨٩٥) فى الأشربة، باب: ما جاء أى الشراب كان أحب إلى رسول اللّه- صلى اللّه عليه و سلم-، و أحمد فى «المسند» (٦/ ٣٨ و ٤٠)، و الحديث أعله الترمذى بالإرسال، و صححه الشيخ الألبانى فى «صحيح سنن الترمذى».
[٢] صحيح: أخرجه مسلم (٢٠٠٤) فى الأشربة، باب: إباحة النبيذ الذي لم يشتد و لم يصر مسكرا، من حديث ابن عباس- رضى اللّه عنهما-.
[٣] صحيح: أخرجه البخاري (٥٦١٣) فى الأشربة، باب: شرب اللبن بالماء.