المواهب اللدنية بالمنح المحمدية - أحمد بن محمد القسطلاني - الصفحة ١٤ - الفصل الثانى فيما أكرمه اللّه تعالى به من الأخلاق الزكية و شرفه به من الأوصاف المرضية
اللّه على ما بين يديه مما تقدم من أمر اللّه، و على ما وراء الوقت مما تأخر من أمر اللّه، فلما كان على ذلك من الإحاطة فى إدراك مدركات القلوب جعل اللّه تعالى له- صلى اللّه عليه و سلم- مثل ذلك فى مدركات العيون، فكان يرى المحسوسات من وراء ظهره كما يراها من بين يديه كما قال- صلى اللّه عليه و سلم-. انتهى.
و من الغريب ما ذكره الزاهدى بختيار محب بن محمود، شارح القدورى فى رسالته الناصرية أنه- صلى اللّه عليه و سلم- كان له بين كتفيه عينان كسم الخياط يبصر بهما، و لا تحجبهما الثياب؟؟؟ [١].
و قيل: بل كانت صورهم تنطبع فى حائط قبلته كما تنطبع فى المرآة أمثلتهم فيها، فيشاهد أفعالهم و هذا إن كان نقلا عن الشارع٧ بطريق صحيح فمقبول و إلا فليس المقام مقام رأى، على أن الأقعد فى إثبات كونه معجزة حملها على الإدراك من غير آلة و اللّه أعلم.
و قد ذهب بعضهم إلى أن هذه الرؤية رؤية قلبه الشريف. و عن بعضهم: المراد بها العلم إما بأن يوحى اللّه إليه كيفية فعلهم، و إما بأن يلهم، و الصحيح و الصواب ما تقدم [٢] و قد استشكل على قول من يقول: إن المراد بذلك العلم، ما ذكره ابن الجوزى فى بعض كتبه بغير إسناد أنه- صلى اللّه عليه و سلم- قال:
«إنى لا أعلم ما وراء جدارى هذا» فإن صح فالمراد منه نفى العلم بالمغيبات، فكيف يجتمعان؟
و أجيب: بأن الأحاديث الأول ظاهرها ينطق باختصاص ذلك بحالة الصلاة، و يحمل المطلق منها على المقيد. و أما إذا ذهبنا إلى الإدراك بالبصر- و هو الصواب- فلا إشكال، لأن نفى العلم هنا عن الغيب و ذاك عن مشاهدة.
و فى «المقاصد الحسنة» للحافظ شمس الدين السخاوى حديث: «ما أعلم ما خلف جدارى هذا» [٣] قال شيخنا- يعنى شيخ الإسلام ابن حجر-:
[١] ذكر ذلك أيضا الحافظ ابن حجر فى «الفتح» (١/ ٥١٥).
[٢] انظر فى ذلك المصدر السابق.
[٣] انظر «كشف الخفا» للعجلونى (٢١٧٥).