المواهب اللدنية بالمنح المحمدية - أحمد بن محمد القسطلاني - الصفحة ١٣ - الفصل الثانى فيما أكرمه اللّه تعالى به من الأخلاق الزكية و شرفه به من الأوصاف المرضية
و عن عائشة- رضى اللّه عنها- قالت: كان رسول اللّه- صلى اللّه عليه و سلم- يرى فى الظلماء كما يرى فى الضوء [١]. رواه البيهقي.
و عن أبى هريرة أنه- صلى اللّه عليه و سلم- قال: «هل ترون قبلتى هاهنا، فو اللّه ما يخفى على ركوعكم و لا سجودكم، إنى لأراكم من وراء ظهرى» [٢]. رواه البخاري و مسلم.
و عند مسلم من رواية أنس أنه- صلى اللّه عليه و سلم- قال: «أيها الناس، إنى أمامكم فلا تسبقونى بالركوع و لا بالسجود، فإنى أراكم من أمامى و من خلفى» [٣].
و عن مجاهد: فى قوله تعالى الَّذِي يَراكَ حِينَ تَقُومُ (٢١٨) وَ تَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ [٤] قال: كان- صلى اللّه عليه و سلم- يرى من خلفه من الصفوف، كما يرى من بين يديه [٥]، رواه الحميدى فى مسنده، و ابن المنذر فى تفسيره.
و هذه الرؤية رؤية إدراك: و الرؤية لا تتوقف على وجود آلتها التي هى العين- عند أهل الحق- و لا شعاع و لا مقابلة، و هذا بالنسبة إلى القديم [٦] العالى، أما المخلوق فتتوقف صفة الرؤية فى حقه على الحاسة و الشعاع و المقابلة بالاتفاق، و لهذا كان خرق عادة فى حقه- صلى اللّه عليه و سلم-، و خالق البصر فى العين قادر على خلقه فى غيرها.
قال الحرالى: و هذه الآية قد جعلها اللّه تعالى دالة على ما فى حقيقة أمره فى الاطلاع الباطن لسعة علمه، و معرفته لما عرف بربه لا بنفسه أطلعه
[١] أخرجه البيهقي فى «دلائل النبوة» (٦/ ٧٥).
[٢] صحيح: أخرجه البخاري (٤١٨) فى المساجد، باب: عظة الإمام الناس فى إتمام الصلاة، و مسلم (٤٢٤) فى المساجد، باب: الأمر بتحسين الصلاة و إتمامها و الخشوع فيها.
[٣] صحيح: أخرجه مسلم (٤٢٦) فى المساجد، باب: تحريم سبق الإمام بركوع أو سجود أو نحوهما.
[٤] سورة الشعراء: ٢١٨، ٢١٩.
[٥] مرسل: أخرجه الحميدى فى «مسنده» (٩٦٢) عن مجاهد مرسلا.
[٦] الأولى أن يقال (الأول) كما نطق القرآن، و لا أعلم سبب العدول من الأول إلى القديم، مع العلم بأن اللفظ القرآنى أدل على المعنى عن غيره من الألفاظ المحدثة، و اللّه المستعان.