المواهب اللدنية بالمنح المحمدية - أحمد بن محمد القسطلاني - الصفحة ١٢١ - الفصل الثانى فيما أكرمه اللّه تعالى به من الأخلاق الزكية و شرفه به من الأوصاف المرضية
«الطخى وجهها» فلطخت بها وجهى فضحك- صلى اللّه عليه و سلم- الحديث رواه ابن غيلان من حديث الهاشمى و خرجه الملاء فى سيرته. و الخزيرة: لحم يقطع صغارا و يصب عليه ماء كثير فإذا نضج ذر عليه الدقيق.
و بالجملة؛ فمن تأمل سيرته- صلى اللّه عليه و سلم- مع أهله و أصحابه و غيرهم من الفقراء و الأيتام و الأرامل و الأضياف و المساكين، علم أنه قد بلغ من رقة القلب و لينه الغاية التي لا مرمى وراءها لمخلوق. و إن كان يشتد فى حدود اللّه و حقوقه و دينه، حتى قطع يد السارق، إلى غير ذلك.
و قد كان- صلى اللّه عليه و سلم- يباسط أصحابه بما يولج حبه فى القلوب، كان له رجل من البادية يسمى زهيرا، و كان يهادى النبيّ- صلى اللّه عليه و سلم- بموجود البادية بما يستطرف منها، و كان- صلى اللّه عليه و سلم- يهاديه و يكافئه بموجود الحاضرة و بما يستطرف منها، و كان- صلى اللّه عليه و سلم- يقول: «زهير باديتنا، و نحن حاضرته» و كان- صلى اللّه عليه و سلم- يحبه، فمشى- صلى اللّه عليه و سلم- يوما إلى السوق فوجده قائما، فجاء من قبل ظهره و ضمه بيده إلى صدره فأحس زهير أنه رسول اللّه- صلى اللّه عليه و سلم-، قال: فجعلت أمسح ظهرى فى صدره رجاء بركته.
و فى رواية الترمذى فى الشمائل: فاحتضنه من خلفه و لا يبصره، فقال أرسلنى، من هذا؟ فالتفت فعرف النبيّ- صلى اللّه عليه و سلم- فجعل لا يألو ما ألصق ظهره بصدر النبيّ- صلى اللّه عليه و سلم- حين عرفه، فجعل رسول اللّه- صلى اللّه عليه و سلم- يقول: «من يشترى العبد» فقال له زهير: يا رسول اللّه، إذن تجدنى كاسدا، فقال- صلى اللّه عليه و سلم-: «أنت عند اللّه غال»، و فى رواية للترمذى أيضا: «لكن عند اللّه لست بكاسد»، أو قال: «أنت عند اللّه غال» [١].
و أخرج أبو يعلى عن زيد بن أسلم أن رجلا كان يهدى للنبى- صلى اللّه عليه و سلم- العكة من السمن و العسل، فإذا جاء صاحبه يتقاضاه جاء به إلى النبيّ- صلى اللّه عليه و سلم-
[١] أخرجه الترمذى فى «الشمائل» (١٢١)، و أحمد فى «المسند» (٣/ ١٦١)، و ابن حبان فى «صحيحه» (٥٧٩٠)، و البيهقي فى «الكبرى» (٦/ ١٦٩)، من حديث أنس- رضى اللّه عنه-.