المواهب اللدنية بالمنح المحمدية - أحمد بن محمد القسطلاني - الصفحة ١٠٢ - الفصل الثانى فيما أكرمه اللّه تعالى به من الأخلاق الزكية و شرفه به من الأوصاف المرضية
لاجتماع مكارم الأخلاق فيه، قال- صلى اللّه عليه و سلم- فيما رواه الطبرانى فى الأوسط بسند فيه عمر بن إبراهيم المقدسى و هو ضعيف- عن جابر: «إن اللّه بعثنى بتمام مكارم الأخلاق و كمال محاسن الأفعال» [١]، و فى رواية مالك فى الموطأ بلاغا: «بعثت لأتمم مكارم الأخلاق» [٢]. فجميع الأخلاق الحميدة كلها كانت فيه- صلى اللّه عليه و سلم-، فإنه أدب بالقرآن، كما قالت عائشة- رضى اللّه عنها-: (كان خلقه القرآن) [٣].
قال بعض العارفين: و قد علم أن القرآن فيه المتشابه الذي لا يعلم تأويله إلا اللّه و الراسخون فى العلم يقولون آمنا به، أى أقررناه فى نصابه، و أقررنا به من خلف حجابه، و تقلدنا سيف الحجة به و لكن فى قرابه.
و ما كونه مما تحصل مقلة * * * و لا حده مما تحس الأنامل
و قال صاحب عوارف المعارف: و لا يبعد أن قول عائشة- رضى اللّه عنها-: (كان خلقه القرآن) فيه رمز غامض، و إيماء خفى إلى الأخلاق الربانية، فاحتشمت الحضرة الإلهية أن تقول: كان متخلقا بأخلاق اللّه تعالى فعبرت عن المعنى بقولها: (كان خلقه القرآن) استحياء من سبحات الجلال و سترا للحال بلطف المقال، و هذا من وفور عقلها و كمال أدبها. انتهى.
فكما أن معانى القرآن لا تتناهى فكذلك أوصافه الجميلة الدالة على خلقه العظيم لا تتناهى إذ فى كل حالة من أحواله يتجدد له من مكارم الأخلاق و محاسن الشيم و ما يفيضه اللّه تعالى عليه من معارفه و علومه ما لا يعلمه إلا اللّه تعالى. فإذا التعرض لحصر جزئيات أخلاقه الحميدة تعرض لما ليس من مقدور الإنسان، و لا من ممكنات عاداته.
قال الحرالى- و هو كما فى القاموس: بتشديد اللام، نسبة إلى قبيلة
[١] إسناده ضعيف: ذكره الهيثمى فى «المجمع» (٨/ ١٨٨) عن جابر و قال: رواه الطبرانى فى الأوسط، و فيه عمر بن إبراهيم القرشى، و هو ضعيف.
[٢] ضعيف: أخرجه مالك فى «الموطأ» (٢/ ٩٠٤) بلاغا.
[٣] صحيح: أخرجه مسلم (٧٤٦) فى صلاة المسافرين، باب: جامع صلاة الليل.