المواهب اللدنية بالمنح المحمدية - أحمد بن محمد القسطلاني - الصفحة ١٠١ - الفصل الثانى فيما أكرمه اللّه تعالى به من الأخلاق الزكية و شرفه به من الأوصاف المرضية
خلقى فحسن خلقى» [١]. أخرجه أحمد و صححه ابن حبان، و عند مسلم فى حديث دعاء الافتتاح: «و اهدنى لأحسن الأخلاق لا يهدى لأحسنها إلا أنت» [٢]. و لما اجتمع فيه- صلى اللّه عليه و سلم- من خصال الكمال ما لا يحيط به حد، و لا يحصره عد، أثنى اللّه تعالى عليه فى كتابه الكريم فقال: وَ إِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ [٣]، و كلمة «على» للاستعلاء فدل اللفظ على أنه مستعل على هذه الأخلاق و مستول عليها.
و الخلق ملكة نفسانية يسهل على المتصف بها الإتيان بالأفعال الجميلة، و قد وصف اللّه تعالى نبيه- صلى اللّه عليه و سلم- بما يرجع إلى قوته العلمية بأنه عظيم فقال تعالى: وَ عَلَّمَكَ ما لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَ كانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً [٤] و وصف ما يرجع إلى قوته العملية بأنه عظيم، فقال تعالى: وَ إِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ [٥]. فدل مجموع هاتين الآيتين على أن روحه فيما بين الأرواح البشرية عظيمة عالية الدرجة، كأنها لقوتها و شدة كمالها كانت من جنس أرواح الملائكة. قال الحليمى: و إنما وصف خلقه بالعظم، مع أن الغالب وصف الخلق بالكرم لأن كرم الخلق يراد به السماحة و الدماثة، و لم يكن خلقه- صلى اللّه عليه و سلم- مقصورا على ذلك، بل كان رحيما بالمؤمنين، رفيقا بهم، شديدا على الكفار، غليظا عليهم، مهيبا فى صدور الأعداء، منصورا بالرعب منهم على مسيرة شهر، فكان وصف خلقه بالعظيم أولى ليشمل الإنعام و الانتقام.
و قال الجنيد: و إنما كان خلقه- صلى اللّه عليه و سلم- عظيما لأنه لم يكن له همة سوى اللّه تعالى. و قيل: لأنه- صلى اللّه عليه و سلم- عاشر الخلق بخلقه، و باينهم بقلبه. و قيل:
[١] صحيح: أخرجه أحمد فى المسند عن ابن مسعود، كما فى «صحيح الجامع» (١٣٠٧) إلا أنى لم أقف عليه فى المسند.
[٢] صحيح: أخرجه مسلم (٧٧١) فى صلاة المسافرين، باب: الدعاء فى صلاة الليل و قيامه، من حديث على- رضى اللّه عنه-.
[٣] سورة القلم: ٤.
[٤] سورة النساء: ١١٣.
[٥] سورة القلم: ٤.