الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٩٥ - عاقبة مذنبي قوم لوط
و يمكن حمل «الصيحة» على أنّها صاعقة عظيمة أو صوت زلزلة رهيب، و المهم أنّه كان صوتا مرعبا أسقط الجميع مغميا عليهم أو ميتين.
و المعلوم أنّ الأمواج الصوتية إذا ما تعدت حدّا معينا فستكون مرعبة مخيفة تهز فرائص الإنسان، و إذا ما ازدادت شدتها فستبهت الإنسان و تشلّه عن الحركة و ربّما تودي بحياته، بل و من الممكن لها أن تهدم الأبنية، و هذا ما تفعله المتفجرات.
و لم يكتف بذلك بل شمل العذاب المدينة أيضا فَجَعَلْنا عالِيَها سافِلَها.
و زيد في التنكيل بهم وَ أَمْطَرْنا عَلَيْهِمْ حِجارَةً مِنْ سِجِّيلٍ.
إنّ سقوط الحجارة على رؤوسهم ربّما كان يستهدف من لم يمت من الصيحة المرعبة و لم يصبح تحت الأنقاض، و ربّما لأجل محو أجسادهم، و جثثهم من على الأرض كي لا يبقى أثر لهؤلاء القوم المجرمين، حتى أنّ المار على تلك الديار بعد نزول الأحجار لا يصدق بسهولة أنّها كانت مدينة معمورة! ثمّ إنّ نزول هذا العذاب ذو المراحل الثلاث (الصيحة الرهيبة، قلب المدينة، المطر الحجري)- رغم أن كل واحدة منهن كانت تكفي لقطع دابر القوم- كان لمضاعفة عذابهم لشدّة فسادهم و جسارتهم و إصرارهم على إدامة التلوّث بتلك القبائح الشنيعة، و كي يكون عبرة لمن يعتبر.
و هنا يخلص القرآن الكريم إلى النتائج الأخلاقية و التربية فيقول: إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ [١] العقلاء الذين يفهمون الأحداث بفراستهم و ذكائهم و نظرهم الثاقب و يحملون من كل إشارة حقيقة و من كل تنبيه درسا.
و لا تتصوروا أن آثارهم ذهبت تماما، بل هي باقية على طريق القوافل و المارة وَ إِنَّها لَبِسَبِيلٍ مُقِيمٍ.
[١]- متوسم: من مادة (وسم)- على وزن رسم- أى ترك أثرا، و يقال لمن يخلص من أثر صغير إلى نتائج و حقائق كبيره (متوسم).