الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٤٣٧ - أوّلا هل الدنيا و الآخرة تقعان على طرفي نقيض؟
و تجعلها في سياق واحد، فستكون أمامنا مجموعة كبيرة منها.
و لكن، و برغم الأهمية الكبرى التي تختص بها النعم المادية، فإنّ القرآن الكريم استخدم تعابير أخرى تحقّرها و تحطّ منها بقوة، إذ نقرأ في سورة النساء، آية (٩٤)، قوله تعالى: تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَياةِ الدُّنْيا و في مكان آخر نقرأ قوله تعالى: وَ مَا الْحَياةُ الدُّنْيا إِلَّا مَتاعُ الْغُرُورِ [١]. و في سورة العنكبوت آية (٦٤)، نقرأ وَ ما هذِهِ الْحَياةُ الدُّنْيا إِلَّا لَهْوٌ وَ لَعِبٌ أمّا في الآية (٣٧) من سورة النّور، فإنا نلتقي مع قوله تعالى: رِجالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجارَةٌ وَ لا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ.
هذه المعاني المزدوجة إزاء النعم و المواهب المادية، يمكن ملاحظتها أيضا في الأحاديث و الرّوايات الإسلامية، فالدنيا في وصف لأمير المؤمنين علي عليه السّلام هي
«مسجد أحباء اللّه، و مصلى ملائكة اللّه، و مهبط وحي اللّه، و متجر أولياء اللّه» [٢].
و في جانب آخر، نرى أنّ الأحاديث و الرّوايات الإسلامية تعتبر الدنيا دار الغفلة و الغرور، و ما شابه ذلك.
و السؤال هنا: هل تتعارض هذه المجاميع من الآيات و الرّوايات فيما بينها؟
في الواقع، عند ما تلام الدنيا، فإنّ اللوم ينصب على أولئك الناس الذين لا هدف لهم و لا همّ سواها. من هنا نقرأ في الآية (٢٩) من سورة النجم قوله تعالى:
وَ لَمْ يُرِدْ إِلَّا الْحَياةَ الدُّنْيا. و بعبارة أخرى: فإنّ الذم الذي يرد للدنيا يقصد به الأشخاص الذين باعوا آخرتهم بدنياهم. و لا يتناهون عن أي منكر و جريمة في سبيل الوصول إلى أهدافهم المادية، و في هذا السياق نقرأ في الآية (٣٨) من سورة التوبة: أَ رَضِيتُمْ بِالْحَياةِ الدُّنْيا مِنَ الْآخِرَةِ.
ثمّ إنّ الآيات التي نبحثها تشهد على ما نقول، إذ أنّ قوله تعالى:
[١]- الحديد، ٢٠.
[٢]- نهج البلاغة، باب الكلمات القصار، جملة رقم ١٣١.