الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٤٣٥ - طلاب الدنيا و الآخرة
أنّ مفهوم الإيمان داخل ضمنه، و لكن يجب عدم الاكتفاء بهذا المقدار من الدلالة الالتزامية للإيمان، بل و ينبغي التوسع في شرط الإيمان، بحكم أنّ (الإيمان) يعتبر أمرا أساسيا، و ركنا مهمّا في هذا الطريق.
و الملاحظ هنا، أنّ الآية تخاطب عبيد الدنيا بالقول: جَعَلْنا لَهُ جَهَنَّمَ بينما عند ما تنتقل إلى طلّاب الآخرة و عشّاقها و مريدها، فهي تخاطبهم بالقول:
فَأُولئِكَ كانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُوراً. إنّ استخدام هذا التعبير أشمل و أجمل من استخدام أي تعبير آخر، مثل (جزاءهم الجنّة) لأنّ الشكر من أي شخص هو بمقدار شخصيته و مكانته لا بمقدار العمل الذي تمّ، لذا فإنّ شكر اللّه لسعي عباده يتناسب مع ذاته اللامتناهية، و نعمه المادية و المعنوية و ما نتصوره و ما نعجز عن تصوّره.
و بالرغم من أنّ بعض المفسّرين قد فسّروا كلمة «مشكورا» في هذه الآية بمعنى «الأجر المضاعف» [١]. أو بمعنى «قبول العمل» [٢]، إلّا أنّه من الواضح أن كلمة «مشكورا» لها معنى أوسع من هذه المعاني جميعا.
و قد يتوهم البعض و يلتبس عليه الأمر، ظنا أنّ نعم الدنيا هي من نصيب عبيدها و طلابها فقط، و أنّ طلّاب الآخرة و أهلها محرومون منها. لذلك فإنّ الآية التي بعدها تقف أمام هذا اللبس، و تمنع هذا الظن، عند ما تقول: كُلًّا نُمِدُّ هؤُلاءِ وَ هَؤُلاءِ مِنْ عَطاءِ رَبِّكَ لتضيف بعدها بقليل: وَ ما كانَ عَطاءُ رَبِّكَ مَحْظُوراً.
نمدّ هنا من «الإمداد» بمعنى الزيادة.
الآية التي بعدها تشير إلى أصل مهم في هذا الخصوص و تقول: كما أن السعي في هذه الدنيا متفاوت، و تتفاوت معه الأجور، فكذلك الأمر في الآخرة: و لكن التفاوت الدنيوي محدود، لأنّ الدنيا هي نفسها محدودة، و أمّا الآخرة- و لكونها
[١]- يراجع في هذا الشأن تفسير القرطبي، ج ٦، ص ٣٨٥٢.
[٢]- راجع تفسير الصافي عند الحديث عن هذه الآية.