الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٠٦ - التّفسير
العالم القادر جلّ و علا، و هو حق أيضا، بل هو حقيقة الحق، و كل حق بما هو متصل بوجوده المطلق فهو حق، و كل شيء لا يرتبط به سبحانه فهو باطل .. و هذا ما يخصّ التوحيد أمّا في المعاد فيقول: وَ إِنَّ السَّاعَةَ لَآتِيَةٌ .. و إن تأخرت فإنّها آتية بالنتيجة.
و لا يبعد أن تكون الفقرة الأولى بمنزلة الدال على الفقرة الثّانية، لأنّ هذا العالم إنّما يكون حقا عند ما يكون لهذه الأيّام الدنيوية المليئة بالآلام و المتاعب هدف عال يبرر خلق هذا الوجود الكبير- فليست الدنيا لنحياها و تنتهي- و لهذا فمسألة خلق السماوات و الأرض و ما بينهما حقّ يدل على وجود يوم القيامة و الحساب، و إلّا لكان الخلق عبثا و ليس حقّا- فتأمل.
و بعد ذلك .. يأمر اللّه تعالى نبيّه الكريم صلّى اللّه عليه و آله و سلّم أن يقابل عناد قومه و جهلهم و تعصبهم و عداءهم بالمحبّة و العفو و غض النظر عن الذنوب، و الصفح عنهم بالصفح الجميل، أي غير مصحوب بملامة فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ.
لأنّك تملك الدليل الواضح على ما أمرت بالدعوة إليه، فلا تحتاج و إيّاهم إلى الخشونة لتثبيت عقيدة المبدأ و المعاد في قلوب الناس، فالعقل و المنطق السليم معك.
بالإضافة إلى أنّ الخشونة مع الجهلة غالبا ما تؤدي بهم إلى الرد بالمثل، بل و بأشد من ذلك.
الصفح: هو وجه كل شيء، كوجه الصورة [١]، و لهذا فقد جاءت كلمة «فاصفح» بمعنى أدر وجهك و غض النظر عنهم.
و بما أنّ إدارة الوجه و صرفه عن الشيء قد تعطي معنى عدم الاهتمام و النفرة و ما شابه ذلك بالإضافة لمعنى العفو و الصفح، فقد ذكرت الآية المتقدمة كلمة
[١]- يقول الفيروزآبادي، في القاموس، ج ١، ص ٢٤٢: الصفح: الجانب، و من الجبل مضطجعه، و منك جنبك، و من الوجه و السيف عرضه.