الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣٦١ - ١- إِنَّ إِبْراهِيمَ كانَ أُمَّةً
٥- و ختمت عطايا اللّه عزّ و جلّ لإبراهيم عليه السّلام لما ظهر منه من صفات متكاملة بأن جعل دينه عاما و شاملا لكل ما سيأتي بعده من زمان- و خصوصا للمسلمين- و لم يجعل دينه مختصا بعض أهل زمانه، فقال اللّه عزّ و جلّ: ثُمَّ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً [١].
و يأتي التأكيد مرّة أخرى: وَ ما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ.
و بملاحظة الآيات السابقة يبدو لنا هذا السؤال: إن كان دين الإسلام هو نفس دين إبراهيم و أنّ المسلمين يتبعون سنن إبراهيم عليه السّلام في كثير من المسائل و منها احترام يوم الجمعة، فلما ذا اتّخذ اليهود يوم السبت عيدا لهم بدلا من الجمعة و يعطلون فيه أعمالهم؟
إنّ آخر آية من الآيات مورد البحث تجيب على السؤال المذكور حين تقول:
إِنَّما جُعِلَ السَّبْتُ عَلَى الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ أي أنّ السبت و ما حرم في السبت كان عقوبة لليهود، و قد اختلفوا فيه أيضا، فمنهم من قبله و منهم من أهمله.
و تقول بعض الرّوايات: أنّ موسى عليه السّلام دعا قومه بني إسرائيل لاحترام يوم الجمعة و تعطيل أعمالهم فيه، و هو دين إبراهيم عليه السّلام، إلّا إنّهم تعلّلوا، و اختاروا يوم السبت، فجعله اللّه عطلة لهم و لكن بضيق و شدّة، و لهذا لا ينبغي الاعتماد على تعطيل يوم السبت، لأنّه إنّما كان استثنائيا و ذا طابع جزائي، و أفضل دليل على هذا الأمر أنّ اليهود أنفسهم اختلفوا في يومهم المنتخب هذا، فبعض احترمه و بعض آخر خالف ذلك و أدام العمل و الكسب فيه حتى أصابهم عذاب اللّه.
و ثمّة احتمال آخر أن تكون إشارة الآية مرتبطة ببدع المشركين في موضوع الأغذية الحيوانية، لأنّ الآيات السابقة تطرقت لذلك من خلال إجابتها على
[١]- «الحنيف»: بمعنى الذي يترك الانحراف و يتجه إلى الاستقامة و الصلاح، و بعبارة أخرى، يغض نظره عن الأديان و الأوضاع المنحرفة و يتوجه نحو صراط اللّه المستقيم، الدين الموافق للفطرة، و لهذا يسمى الصراط المستقيم، فالتعبير بالحنيف يحمل بين طياته إشارة خفيّة إلى أنّ التوحيد هو دين الفطرة.