الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣٤٠ - ١- التقية و فلسفتها
أنّه اغتمّ كثيرا و ارتعدت فرائصه حتى طمأنه النّبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم بحلّيّة ما فعل به حفظا للنفس، فهذا.
و يطالعنا تأريخ (بلال) عند ما اعتنق الإسلام راح يدعو له و يدافع عن النّبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم، فشدّ عليه المشركون حتى أنّهم طرحوه أرضا تحت لهيب الشمس الحارقة، و ما اكتفوا بذلك حتى وضعوا صخرة كبيرة على صدره و هو بتلك الحال، و طلبوا منه أن يكفر باللّه و لكنّه أبى أن يستجيب لطلبهم و بقي يردد: أحد أحد، ثمّ قال: أقسم باللّه لو علمت قولا أشد عليكم من هذا لقلته.
و نقرأ في تاريخ (حبيب بن زيد) أنّه لما أسره مسيلمة الكذاب فقد سأله: هل تشهد أنّ محمّدا رسول اللّه؟
قال: نعم.
ثمّ سأله: أتشهد أنّي رسول اللّه؟
فأجابه ساخرا: إنّي لا أسمع ما تقول! فقطعوه إربا إربا [١].
و التأريخ الإسلامي حافل بصور كهذه، خصوصا تأريخ المسلمين الأوائل و تأريخ أصحاب الأئمّة عليهم السّلام.
و لهذا قال المحققون: إنّ ترك التقية و عدم التسليم للأعداء في حالات كهذه، عمل جائز حتى لو أدى الأمر إلى الشهادة، فالهدف سام و هو رفع لواء التوحيد و إعلاء كملة الإسلام، و خاصة في بداية دعوة النّبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم، حيث كان لهذا الأمر أهمية خاصّة.
و مع هذا، فالتقية جائزة في موارد، و واجبة في موارد أخرى، و خلافا لما يعتقده البعض فإنّ التقية (في مكانها المناسب) ليست علامة للضعف، و لا هي مؤشر للخوف من تسلط الأعداء، و لا هي تسليم لهم بقدر ما هي نوع من
[١]- في ظلال القرآن، ج ٥، ص ٢٨٤.