الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣٣٩ - ١- التقية و فلسفتها
يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجادِلُ عَنْ نَفْسِها [١] لتنقذها من العقاب و العذاب.
فالمذنبون أحيانا ينكرون ما ارتكبوه من ذنوب إنكارا تاما فرارا من الجزاء و العقاب، و الآية (٢٣) من سورة الأنعام تنقل لنا قولهم: وَ اللَّهِ رَبِّنا ما كُنَّا مُشْرِكِينَ، و عند ما لا يلمسون أيّة فائدة لإنكارهم يتجهون بإلقاء اللوم على أئمتهم و قادتهم، و يقولون: رَبَّنا هؤُلاءِ أَضَلُّونا فَآتِهِمْ عَذاباً ضِعْفاً مِنَ النَّارِ [٢].
و لكن .. لا فائدة من كل ذلك .. وَ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ وَ هُمْ لا يُظْلَمُونَ.
بحثان
١- التقية و فلسفتها:
امتاز المسلمون الأوائل الذين تربّوا على يد النّبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم بروح مقاومة عظيمة أمام أعدائهم، و سجل لنا التأريخ صورا فريدة للصمود و التحدي، و ها هو «ياسر» لم يلن و لم يدخل حتى الغبطة الكاذبة على شفاه الأعداء، و ما تلفظ حتى بعبارة خالية من أيّ أثر على قلبه ممّا يطمخ الأعداء أن يسمعوها منه، مع أنّ قلبه مملوءا ولاء و إيمانا باللّه تعالى و حبّا و إخلاصا للنّبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و صبر على حاله رغم مرارتها فنال شرف الشهادة، و رحلت روحه الطاهرة إلى بارئها صابرة محتسبة تشكو إليه ظلم و جور أعداء دين اللّه.
و ها هو ولدة «عمّار» الذي خرجت منه كلمة بين صفير الأسواط و شدّة الآلام تنم عن حالة الضعف ظاهرا، و بالرغم من اطمئنانه بإيمانه و تصديقه لنبيّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم، إلّا
[١]- اختلاف القول بخصوص متعلق «يوم» جار بين المفسّرين .. فبعضهم يذهب إلى أنّه متعلق بفاعل مستتر و التقدير هو «ذكرهم يوم القيامة»، و اعتبره آخرون متعلقا بفعل الغفران و الرحمة المأخوذان من «الغفور الرحيم» في الآية السابقة، (و لكنّنا نرجح التّفسير الاحتمال الأوّل لشموله).
[٢]- الأعراف، ٣٨.