الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٩١ - و هنا ينبغي التذكير ببعض الملاحظات
توجيها لا يخلو من إشكال أيضا حيث قال: (فحصل من هذا أن عصرا من الأعصار لا يخلو من شهيد على الناس، و ذلك الشهيد لا بدّ أن يكون غير جائز الخطاء و إلّا لافتقر إلى شهيد آخر، و يمتد ذلك إلى غير النهاية، و ذلك باطل، فيثبت أنّه لا بدّ في كل عصر من أقوام تقوم الحجّة بقولهم، و ذلك يقتضي أن يكون إجماع الأمّة حجّة) [١].
لو أنّ الفخر الرازي تجاوز قليلا حدود عقائده لم يكن ليسقط في هكذا تناقض و عناد فاحش. لأنّ القرآن يقول: يَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيداً عَلَيْهِمْ مِنْ أَنْفُسِهِمْ و ليس مجموع الأمّة شاهدا على كل فرد من أفراد الأمّة.
و كما ذكرنا عند تفسيرنا للآية (٤١) من سورة النساء أنّ هناك احتمالين آخرين في تفسير «هؤلاء»:
الأوّل: أنّ «هؤلاء» إشارة إلى شهداء الأمم السابقة من الأنبياء عليهم السّلام و الأوصياء، فيكون النّبي شاهدا على هذه الأمة و شاهدا على الأنبياء السابقين أيضا.
الثّاني: المقصود من الشاهد هنا هو الشاهد العملي، أي: شخص يكون وجوده قدوة و ميزانا لتمييز الحق من الباطل.
(و المزيد من الإيضاح، راجع ذيل الآية (٤١) من سورة النساء).
و بما أنّ جعل الشاهد فرع لوجود برنامج كامل و جامع للناس بما تتم فيه الحجّة عليهم، و يصح فيه مفهوم النظارة و المراقبة، لذا يقول القرآن بعد ذلك مباشرة: وَ نَزَّلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ تِبْياناً لِكُلِّ شَيْءٍ وَ هُدىً وَ رَحْمَةً وَ بُشْرى لِلْمُسْلِمِينَ.
[١]- تفسير الفخر الرازي، ج ٣٠، ص ٩٨.