الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٨٩ - و هنا ينبغي التذكير ببعض الملاحظات
٤- لعل ورود جملة فَأَلْقَوْا إِلَيْهِمُ الْقَوْلَ بدل «قالوا لهم» لعدم قدرة الأصنام على التكلم بنفسها، فيكون قولها عبارة عن إلقاء من قبل اللّه فيها، أي أنّ اللّه عزّ و جلّ يلقي إليها، و هي بدورها تلقية إلى المشركين.
و تأتي الآية التالية لتبيّن أنّ الجميع بعد أن يقولوا كل ما عندهم، و يسمعوا جواب قولهم، سيتوجهون إلى حالة أخرى ... وَ أَلْقَوْا إِلَى اللَّهِ يَوْمَئِذٍ السَّلَمَ [١] مسلمين للّه، مذعنين لعظمته جل و علا، لأنّ غرور و تعصب الجاهلين قد أزيل برؤية الحق الذي لا مفرّ من تصديقه و الإذعان إليه.
و في هذه الأثناء، و حيث كل شيء جلي كوضوح الشمس .. وَ ضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ. فتبطل كذبتهم بوجود شريك للّه، و كذلك يبطل ادعاؤهم بشفاعة الأصنام لهم عند اللّه، عند ما يلمسون عدم قدرة الأصنام للقيام بأي عمل، بل و يرونها محشورة معهم في نار جهنم!.
و بهذا المقدار من الآيات كان الحديث منصبا حول انحراف المشركين الضالين و غرقهم في درك الشرك، دون أن يدعوا الآخرين إلى ما هم فيه .. و بعد ذلك ينتقل القرآن الكريم إلى الكافرين من الذين لم يكتفوا بأن يكونوا كافرين، و إنّما كانوا يبذلون أقصى جهودهم لإضلال الآخرين! فيقول: الَّذِينَ كَفَرُوا وَ صَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ زِدْناهُمْ عَذاباً فَوْقَ الْعَذابِ بِما كانُوا يُفْسِدُونَ.
فهم شركاء في جرم الآخرين إضافة لما عليهم من تبعات أعمالهم، لأنّهم كانوا عاملا مؤثرا للفساد على الأرض و إضلال خلق اللّه بالصد عن سبيله.
و ذكرنا مرارا و انطلاقا من منطق الاجتماع الإسلامي أنّ من يسن سنّة (حسنة أم سيئة) فهو شريك العاملين بها ثوابا أو عقابا، و الحديث المشهور يبيّن لنا هذا المعنى بوضوح:
«من استن بسنّة عدل فاتبع كان له أجر من عمل بها من غير أن
[١]- احتمل بعض المفسّرين كصاحب الميزان: أنّ إظهار التسليم هنا كان من جانب عبدة الأصنام فقط دون الأصنام، و يؤيد ذلك ما ورد في ذيل الآية.