حكم النبى الأعظم - محمدی ریشهری، محمد - الصفحة ٤٥٦ - الفصل الثالث حوار النبي مع أهل خمسة أديان
القَولِ، أو سَفَها مِنَ الرَّأيِ؟ أتَظُنّونَ أنَّ رَجُلًا يَعتَصِمُ طولَ هذِهِ المُدَّةِ بِحَولِ نَفسِهِ وقُوَّتِها، أو بِحَولِ اللّهِ وقُوَّتِهِ؟ وذلِكَ ما قالَ اللّهُ تَعالى:" انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثالَ فَضَلُّوا فَلا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا"*[١] إلى أن يُثبِتوا عَلَيكَ عَمًى بِحُجَّةٍ أكثَرَ مِن دَعاويهِمُ الباطِلَةِ الَّتي تَبَيَّنَ عَلَيكَ تَحصيلُ بُطلانِها.
ثُمَّ قالَ رَسولُ اللّهِ صلى اللّه عليه و آله: وأمّا قَولُكَ:" لَولا نُزِّلَ هذَا القُرآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ القَريَتَينِ عَظيمٍ، الوَليدِ بنِ المُغيرَةِ بِمَكَّةَ أو عُروَة [بنِ مَسعودٍ الثَّقَفِيِ] بِالطّائِفِ". فَإِنَّ اللّهَ تَعالى لَيسَ يَستَعظِمُ مالَ الدُّنيا كَما تَستَعظِمُهُ أنتَ، ولا خَطَرَ لَهُ عِندَهُ كَما لَهُ عِندَكَ، بَل لَو كانَتِ الدُّنيا عِندَهُ تَعدِلُ جَناحَ بَعوضَةٍ لَما سَقى كافِرا بِهِ مُخالِفا لَهُ شَربَةَ ماءٍ، ولَيسَ قِسمَةُ رَحمَةِ اللّهِ إلَيكَ، بَل اللّهُ هُوَ القاسِمُ لِلرَّحَماتِ، وَالفاعِلُ لِما يَشاءُ في عَبيدِهِ وإمائِهِ، ولَيسَ هُوَ عز و جل مِمَّن يَخافُ أحَدا كَما تَخافُهُ أنتَ لِمالِهِ وحالِهِ، فَعَرَفتَهُ بِالنُّبُوَّةِ لِذلِكَ، ولا مِمَّن يَطمَعُ في أحَدٍ في مالِهِ أو في حالِهِ كَما تَطمَعُ [أنتَ] فَتَخُصُّهُ بِالنُّبُوَّةِ لِذلِكَ، ولا مِمّن يُحِبُّ أحَدا مَحَبَّةَ الهَواءِ كَما تُحِبُّ أنتَ، فَتُقَدِّمُ مَن لايَستَحِقُّ التَّقديمَ. وإنّما مُعامَلَتُهُ بِالعَدلِ، فَلا يُؤثِرُ أحَدا لِأَفضَلِ مَراتِبِ الدّينِ وخِلالِهِ، إلَا الأَفضَلَ في طاعَتِهِ والأَجَدَّ في خِدمَتِهِ، وكَذلِكَ لا يُؤَخِّرُ في مَراتِبِ الدّينِ وخِلالِهِ إلّا أشَدَّهُم تَباطُؤا عَن طاعَتِهِ.
وإذا كانَ هذا صِفَتَهُ لَم يَنظُر إلى مالٍ ولا إلى حالٍ، بَل هذَا المالُ وَالحالُ مِن تَفَضُّلِهِ، ولَيسَ لِأَحدٍ مِن عِبادِهِ عَلَيهِ ضَربَةُ لازِبٍ[٢] فَلا يُقالُ لَهُ: إذا تَفَضَّلتَ بِالمالِ عَلى عَبدٍ فَلابُدَّ [مِن] أن تَتَفَضَّلَ عَلَيهِ بِالنُّبُوَّةِ أيضا، لِأَ نَّهُ لَيسَ لِأَحَدٍ إكراهُهُ عَلى
[١] الفرقان: ٩.
[٢] اللازب: الثابت الشديد الثبوت، ويعبّر باللازب عن الواجب، فيقال: ضربة لازب( مفردات ألفاظ القرآن: ص ٧٣٩)، وفي بعض النسخ" ضريبة" بدل" ضربة".