حكم النبى الأعظم - محمدی ریشهری، محمد - الصفحة ٤٥٧ - الفصل الثالث حوار النبي مع أهل خمسة أديان
خِلافِ مُرادِهِ ولا إلزامُهُ تَفَضُّلًا، لِأَ نَّهُ تَفَضَّلَ قَبلَهُ بِنِعَمِهِ.
ألا تَرى يا عَبدَاللّهِ! كَيفَ أغنى واحِدا وقَبَّحَ صورَتَهُ؟ وكَيفَ حَسَّنَ صورَةَ واحِدٍ وأفقَرَهُ؟ وكَيفَ شَرَّفَ واحِدا وأفقَرَهُ؟ وكَيفَ أغنى واحِدا ووَضَعَهُ؟ ثُمَّ لَيسَ لِهذَا الغَنِيِّ أن يَقولَ: هَلّا اضيفَ إلى يَساري جَمالُ فُلانٍ؟ ولا لِلجَميلِ أن يَقولَ: هَلّا اضيفَ إلى جِمالي مالُ فُلانٍ؟ ولا لِلشَّريفِ أن يَقولَ: هَلّا اضيفَ إلى شَرَفي مالُ فُلانٍ؟ ولا لِلوَضيعِ أن يَقولَ: هَلّا اضيفَ إلى ضَعَتي شَرَفُ فُلانٍ؟
ولكِنَّ الحُكمَ للّه، يُقَسِّمُ كَيفَ يَشاءُ ويَفعَلُ كَما يَشاءُ، وهُوَ حَكيمٌ في أفعالِهِ، مَحمودٌ في أعمالِهِ، وذلِكَ قَولُهُ تَعالى:" وَ قالُوا لَوْ لا نُزِّلَ هذَا الْقُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ" قالَ اللّهُ تَعالى:" أَ هُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ يا محمد نَحْنُ قَسَمْنا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا" فَأَحوَجَنا بَعضا إلى بَعضٍ، أحوَجَ هذا الرجل إلى مالِ ذلِكَ، وأحوَجَ ذلِكَ إلى سِلعَةِ هذا أو إلى خِدمَتِهِ. فَتَرى أجَلَّ المُلوكِ وأغنَى الأَغنِياءِ مُحتاجا إلى أفقَرِ الفُقَراءِ في ضَربٍ مِنَ الضُّروبِ: إمّا سِلعَةٍ مَعَهُ لَيسَت مَعَهُ، وإمّا خِدمَةٍ يَصلَحُ لَها، لايَتَهَيَّأُ لِذلِكَ المَلِكِ أن يَستَغنِيَ إلّا بِهِ، وإمّا بابٍ مِنَ العُلومِ وَالحِكَمِ، هُوَ فَقيرٌ إلى أن يَستَفيدَها مِن هذَا الفَقيرِ، فَهذَا الفَقيرُ يَحتاجُ إلى مالِ ذلِكَ المَلِكِ الغَنِيِّ، وذلِكَ المَلِكُ يَحتاجُ إلى عِلمِ هذَا الفَقيرِ، أو رَأيِهِ، أو مَعرِفَتِهِ.
ثُمَّ لَيسَ لِلمَلِكِ أن يَقولَ: هَلَا اجتَمَعَ إلى مالي عِلمُ هذَا الفَقيرِ؟ ولا لِلفَقيرِ أن يَقولَ: هَلَا اجتَمَعَ إلى رَأيي وعِلمي وما أتَصَرَّفُ فيهِ مِن فُنونِ الحِكَمِ مالُ هذَا المَلِكِ الغَنِيِّ؟
ثُمَّ قالَ اللّهُ تَعالى:" وَ رَفَعْنا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضاً سُخْرِيًّا" ثُمَّ قالَ: يا مُحَمَّدُ قُل لَهُم:" وَ رَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ"[١] أي ما يَجمَعُهُ هؤُلاءِ مِن أموالِ الدُّنيا.
[١] الزخرف: ٣١ و ٣٢.