حكم النبى الأعظم - محمدی ریشهری، محمد - الصفحة ١٥٢ - عدم تعارض البداء والعلم الأزلي
على هذا فإنّ من يرى أن البداء في العلم ملازم لجهل اللّه سبحانه، قد خلط بين العلم الذاتي والعلم الفعلي، ولم يدرك معنى العلم الفعلي.
إنّ ما يراه البعض من أنّ الجهل ملازم للبداء فيما يتعلّق باللّه، له سبب آخر أيضا وهو قياس اللّه بالإنسان، وهو الّذي يجب اجتنابه بشدة في المباحث العقائديّة، فقد روي عن الإمام الرضا عليه السلام قوله:
إنَّهُ مَن يَصِفُ رَبَّهُ بِالقِياسِ لا يزالُ الدَّهرَ فِي الالتِباس.[١]
وعندما يحدث البداء للبشر في أمر ما ونصل إلى رأي جديد، فإنّ هذا الرأي الجديد يحصل لنا في الغالب إثر ظهور علم واطّلاع جديدين، ويرى معارضو البداء أنّ هذه الحالة نفسها تجري أيضا فيما يتعلّق باللّه، قال الغفاري:
جاء في القاموس:" بدا بدواً وبدّواً: ظهر. وبدا له في الأمر بدواً وبداءً وبداة: نشأ له فيه رأي". فالبداء في اللغة له معنيان: الأوّل الظهور بعد الخفاء، والثاني: نشأة الرأي الجديد. وهذا يستلزم الجهل وحدوث العلم وكلاهما محال على اللّه تعالى.[٢] وهذا التفسير للبداء إنما هو على أساس قياس الخالق بالمخلوق، ولكنّ اتباعأهل البيت عليهم السلام لا يرون له قيمة، فقد روي عن الإمام الصادق عليه السلام:
مَن زَعَمَ أنَّ اللّهَ عَزَّوَجَلَّ يَبدو لَهُ في شَيءٍ لَم يَعلَمهُ أمسِ فَابرَؤُوا مِنهُ.[٣]
كما روي عن منصور بن حازم قال:
سَأَلتُ أبا عَبدِ اللّهِ عليه السلام: هَل يَكونُ اليَومَ شَيءٌ لَم يَكُن في عِلمِ اللّهِ بِالأَمسِ؟ قالَ: لا، مَن قالَ هذا فَأَخزاهُ اللّهُ، قُلتُ: أرَأَيتَ ما كانَ وما هُوَ كائِنٌ إلى يَومِ القِيامَةِ، ألَيسَ في
[١] بحارالأنوار: ج ٣ ص ٢٩٧ ح ٢٣.
[٢] اصول مذهب الشيعة: ج ٢ ص ٩٣٨، بين الشيعة وأهل السنة: ص ٧٥ ١٨٦.
[٣] بحار الأنوار: ج ٤ ص ١١١ ح ٣٠.