مستدرك عوالم العلوم و المعارف - الشيخ عبد الله البحراني الأصفهاني - الصفحة ٤٩٧ - الأخبار الصحابة و التابعين
و أخصبت بلادنا و أمرعت، فكنّا نسمّي تلك الشجرة «المباركة» و كان ينتابنا [١] من حولنا من أهل البوادي يستظلّون بها، و يتزوّدون من ورقها في الأسفار، و يحملون معهم في الأرض القفار، فيقوم لهم مقام الطعام و الشراب.
فلم تزل كذلك، و على ذلك أصبحنا ذات يوم و قد تساقط ثمارها، و اصفرّ ورقها، فأحزننا ذلك و فرقنا [٢] له، فما كان إلّا قليل حتى جاء نعي رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) فإذا هو قد قبض ذلك اليوم، فكانت بعد ذلك تثمر ثمرا دون ذلك في العظم و الطعم و الرائحة، فأقامت على ذلك ثلاثين سنة، فلمّا كانت ذات يوم أصبحنا و إذا بها قد تشوّكت من أوّلها إلى آخرها، فذهبت نظارة عيدانها، و تساقط جميع ثمرها، فما كان إلّا يسيرا حتّى وافى مقتل أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب (عليه السّلام)، فما أثمرت بعد ذلك لا قليلا و لا كثيرا، و انقطع ثمرها و لم نزل و من حولنا نأخذ من ورقها و نداوي مرضانا بها، و نستشفي به من أسقامنا.
فأقامت على ذلك برهة طويلة، ثمّ أصبحنا ذات يوم فإذا بها قد انبعث من ساقها دما عبيطا جاريا، و ورقها ذابلة تقطر دما كماء اللحم، فقلنا: إن قد حدث عظيمة، فبتنا ليلتنا فزعين مهمومين نتوقّع الداهية، فلمّا اظلمّ الليل علينا سمعنا بكاء و عويلا من تحتها و جلبة شديدة و رجّة، و سمعنا صوت باكية تقول:
أيا ابن النبيّ و يا ابن الوصيّ * * * و يا بقيّة [٣]ساداتنا الأكرمينا
ثم كثرت الرنّات و الأصوات فلم نفهم كثيرا ممّا كانوا يقولون، فأتانا بعد ذلك قتل الحسين (عليه السّلام) و يبست الشجرة و جفّت، فكسرتها الرياح و الأمطار بعد ذلك، فذهبت و اندرس أثرها.
قال عبد اللّه بن محمّد الأنصاري: فلقيت دعبل بن علي الخزاعيّ بمدينة الرسول (صلى اللّه عليه و آله) فحدّثته بهذا الحديث فلم ينكره و قال: حدّثني أبي، عن جدّي، عن امّه سعيدة بنت مالك الخزاعيّة أنّها أدركت تلك الشجرة فأكلت من ثمرها على عهد عليّ بن أبي
[١]- يأتينا/ خ.
[٢]- أي خفنا و فزعنا.
[٣]- في البحار و إحدى نسختي الأصل: و يا من بقيّة.