مستدرك عوالم العلوم و المعارف - الشيخ عبد الله البحراني الأصفهاني - الصفحة ٣٥٥ - الأخبار الصحابة و التابعين و غيرهما
الفاسق حتّى قرع الباب قرعا خفيفا، فقالت العجوز: من هذا؟ قال: أنا فلان، قالت:
ما الّذي أطرقك هذه الساعة و ليس هذا لك بوقت؟ قال: و يحك افتحي الباب قبل أن يطير عقلي، و تنشقّ مرارتي في جوفي، جاهد البلاء قد نزل بي، قالت: ويحك ما الّذي نزل بك؟ قال: هرب غلامان صغيران من عسكر عبيد اللّه بن زياد، فنادى الأمير في معسكره: من جاء برأس واحد منهما فله ألف درهم، و من جاء برأسهما فله ألفا درهم، فقد أتعبت و تعبت و لم يصل في يدي شيء.
فقالت العجوز: يا ختني احذر أن يكون محمّد (صلى اللّه عليه و آله) خصمك في القيامة، قال لها: ويحك إنّ الدنيا محرص عليها، فقالت: و ما تصنع بالدنيا و ليس معها آخرة؟ قال:
إنّي لأراك تحامين عنهما، كأنّ عندك من طلب الأمير شيء، فقومي فإنّ الأمير يدعوك، قالت: و ما يصنع الأمير بي، و إنّما أنا عجوز في هذه البريّة، قال: إنّما لي الطلب، افتحي لي الباب حتى أريح و أستريح، فإذا أصبحت فكّرت [١] في أيّ الطريق آخذ في طلبهما، ففتحت له الباب و أتته بطعام و شراب، فأكل و شرب.
فلمّا كان في بعض الليل سمع غطيط الغلامين في جوف البيت، فأقبل يهيج كما يهيج البعير الهائج، و يخور كما يخور الثور، و يلمس بكفّه جدار البيت حتّى وقعت يده على جنب الغلام الصغير، فقال له: من هذا؟ قال: أمّا أنا فصاحب المنزل، فمن أنتما؟ فأقبل الصغير يحرّك الكبير و يقول: قم يا حبيبي فقد و اللّه وقعنا فيما كنّا نحاذره.
قال لهما: من أنتما؟ قالا له: يا شيخ إن نحن صدقناك فلنا الأمان؟ قال: نعم، قالا: أمان اللّه و أمان رسوله، و ذمّة اللّه و ذمّة رسوله (صلى اللّه عليه و آله)؟ قال: نعم، قالا: و محمّد ابن عبد اللّه على ذلك من الشاهدين؟ قال: نعم، قالا: و اللّه على ما نقول وكيل و شهيد؟ قال: نعم، قالا له: يا شيخ فنحن من عترة نبيّك محمّد (صلى اللّه عليه و آله) هربنا من سجن عبيد اللّه بن زياد من القتل، فقال لهما: من الموت هربتما و إلى الموت وقعتما، الحمد للّه
[١]- في الأصل و البحار: بكرت.